الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

118

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مفتاح باب الإصلاح في العاجل ، والفلاح في الآجل . وقوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً عطف على جملة : أَلَّا تُشْرِكُوا . و إِحْساناً مصدر ناب مناب فعله ، أي وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، وهو أمر بالإحسان إليهما فيفيد النّهي عن ضدّه : وهو الإساءة إلى الوالدين ، وبذلك الاعتبار وقع هنا في عداد ما حرّم اللّه لأنّ المحرّم هو الإساءة للوالدين . وإنّما عدل عن النّهي عن الإساءة إلى الأمر بالإحسان اعتناء بالوالدين ، لأن اللّه أراد برهما ، والبرّ إحسان ، والأمر به يتضمّن النّهي عن الإساءة إليهما بطريق فحوى الخطاب ، وقد كان كثير من العرب في جاهليتهم أهل جلافة ، فكان الأولاد لا يوقّرون آباءهم إذا أضعفهم الكبر . فلذلك كثرت وصاية القرآن بالإحسان بالوالدين . وقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ جملة عطفت على الجملة قبلها أريد به النّهي عن الوأد ، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى في هذه السّورة [ 137 ] : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ . و ( من ) تعليلية ، وأصلها الابتدائيّة فجعل المعلول كأنّه مبتدئ من علّته . والإملاق : الفقر ، وكونه علّة لقتل الأولاد يقع على وجهين : أن يكون حاصلا بالفعل ، وهو المراد هنا ، وهو الذي تقتضيه ( من ) التّعليلية ، وأن يكون متوقّع الحصول كما قال تعالى ، في آية سورة الإسراء [ 31 ] : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ لأنّهم كانوا يئدون بناتهم إمّا للعجز عن القيام بهنّ وإمّا لتوقّع ذلك . قال إسحاق بن خلف ، وهو إسلامي قديم : إذا تذكرت بنتي حين تندبني * فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم أحاذر الفقر يوما أن يلمّ بها * فيكشف الستر عن لحم على وضم وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ في هذه السورة [ 137 ] . وجملة : نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ معترضة ، مستأنفة ، علّة للنّهي عن قتلهم ، إبطالا لمعذرتهم : لأنّ الفقر قد جعلوه عذرا لقتل الأولاد ، ومع كون الفقر لا يصلح أن يكون داعيا لقتل النّفس ، فقد بيّن اللّه أنّه لمّا خلق الأولاد فقد قدّر رزقهم ، فمن الحماقة أن يظنّ الأب أنّ عجزه عن رزقهم يخوّله قتلهم ، وكان الأجدر به أن يكتسب لهم .