الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

114

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والموازنة بينها وبين ما هنا . [ 150 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 150 ] قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 150 ) استئناف ابتدائي : للانتقال من طريقة الجدل والمناظرة في إبطال زعمهم ، إلى إبطاله بطريقة التّبيين ، أي أحضروا من يشهدون أنّ اللّه حرّم هذا ، تقصيا لإبطال قولهم من سائر جهاته . ولذلك أعيد أمر الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم بأن يقول لهم ما يظهر كذب دعواهم . وإعادة فعل قُلْ بدون عطف لاسترعاء الأسماع ولوقوعه على طريقة المحاورة كما قدمناه آنفا . و هَلُمَّ اسم فعل أمر للحضور أو الإحضار ، فهي تكون قاصرة كقوله تعالى : هَلُمَّ إِلَيْنا [ الأحزاب : 18 ] ومتعدية كما هنا ، وهو في لغة أهل الحجاز يلزم حالة واحدة فلا تلحقه علامات مناسبة للمخاطب ، فتقول : هلمّ يا زيد ، وهلمّ يا هند ، وهكذا ، وفي لغة أهل العالية - أعني بني تميم - تلحقه علامات مناسبة ، يقولون : هلمّي يا هند ، وهلمّا ، وهلمّوا ، وهلممن ، وقد جاء في هذه الآية على الأفصح فقال : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ . والشّهداء : جمع شهيد بمعنى شاهد ، والأمر للتّعجيز إذ لا يلقون شهداء يشهدون أنّ اللّه حرّم ما نسبوا إليه تحريمه من شؤون دينهم المتقدّم ذكرها . وأضيف الشّهداء إلى ضمير المخاطبين لزيادة تعجيزهم ، لأنّ شأن المحقّ أن يكون له شهداء يعلمهم فيحضرهم إذا دعي إلى إحقاق حقّه ، كما يقال للرّجل : اركب فرسك والحق فلانا ، لأنّ كلّ ذي بيت في العرب لا يعدم أن يكون له فرس ، فيقول ذلك له من لا يعلم له فرسا خاصا ولكن الشأن أن يكون له فرس ومنه قوله تعالى : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [ الأحزاب : 59 ] وقد لا يكون لإحداهن جلباب كما ورد في الحديث أنّه سئل : إذا لم يكن لإحدانا جلباب ، قال : لتلبسها أختها من جلبابها . ووصفهم بالموصول لزيادة تقرير معنى إعداد أمثالهم للشّهادة ، فالطّالب ينزّل نفسه منزلة من يظنّهم لا يخلون عن شهداء بحقّهم من شأنهم أن يشهدوا لهم وذلك تمهيد لتعجيزهم البين إذا لم يحضروهم ، كما هو الموثوق به منهم ألا ترى قوله : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا [ الأنعام : 144 ] فهو يعلم أن ليس ثمة شهداء .