الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
115
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإشارة هذا تشير إلى معلوم من السّياق ، وهو ما كان الكلام عليه من أوّل الجدال من قوله : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [ الأنعام : 143 ] الآيات ، وقد سبقت الإشارة إليه أيضا بقوله : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا [ الأنعام : 144 ] . ثمّ فرع على فرض أن يحضروا شهداء يشهدون ، قوله : فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ، أي إن فرض المستبعد فأحضروا لك شهداء يشهدون أنّ اللّه حرّم هذا الذي زعموه ، فكذّبهم وأعلم بأنّهم شهود زور ، فقوله : فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ كناية عن تكذيبهم لأنّ الذي يصدق أحدا يوافقه في قوله ، فاستعمل النّهي عن موافقتهم في لازمه ، وهو التّكذيب ، وإلّا فإنّ النّهي عن الشّهادة معهم لمن يعلم أنّه لا يشهد معهم لأنّه لا يصدّق بذلك فضلا على أن يكون شاهده من قبيل تحصيل الحاصل ، فقرينة الكناية ظاهرة . وعطف على النّهي عن تصديقهم ، النّهي عن اتّباع هواهم بقوله : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا . وأظهر في مقام الإضمار قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا لأنّ في هذه الصّلة تذكيرا بأنّ المشركين يكذّبون بآيات اللّه ، فهم ممّن يتجنّب اتّباعهم ، وقيل : أريد بالذين كذبوا اليهود بناء على ما تقدّم من احتمال أن يكونوا المراد من قوله : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ [ الأنعام : 147 ] وسمّى دينهم هوى لعدم استناده إلى مستند ولكنّه إرضاء للهوى . والهوى غلب إطلاقه على محبّة الملائم العاجل الذي عاقبته ضرر . وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ في سورة البقرة [ 145 ] . وقوله : وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عطف على الَّذِينَ كَذَّبُوا والمقصود عطف الصّلة على الصّلة لأنّ أصحاب الصّلتين متّحدون ، وهم المشركون ، فهذا كعطف الصّفات في قول القائل ، أنشده الفراء : إلى الملك القرم وابن الهما * م وليث الكتيبة في المزدحم كان مقتضى الظاهر أن لا يعاد اسم الموصول لأنّ حرف العطف مغن عنه ، ولكن أجري الكلام على خلاف مقتضى الظاهر لزيادة التّشهير بهم ، كما هو بعض نكت الإظهار في مقام الإضمار . وقيل : أريد بالذين كذّبوا بالآيات : الذين كذّبوا الرّسول عليه الصّلاة والسّلام والقرآن ، وهم أهل الكتابين ، وبالذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربّهم يعدلون : المشركون ، وقد تقدّم معنى : بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عند قوله تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ