الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
111
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وشاءه منهم مشيئة رضى ، فكذلك الأمم قبلهم كذّبوا رسلهم مستندين إلى هذه الشبهة فسمّى اللّه استدلالهم هذا تكذيبا ، لأنّهم ساقوه مساق التّكذيب والإفحام ، لا لأنّ مقتضاه لا يقول به الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم والمسلمون ، فإنّا نقول ذلك كما قال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا [ الأنعام : 107 ] نريد به معنى صحيحا فكلامهم من باب كلام الحقّ الذي أريد به باطل ، ووقع في « الكشاف » أنّه قرئ : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ - بتخفيف ذال كذب - وقال الطيّبي : هي قراءة موضوعة أو شاذّة يعني شاذّة شذوذا شديدا ولم يروها أحد عن أحد من أهل القراءات الشاذّة ، ولعلّها من وضع بعض المعتزلة في المناظرة كما يؤخذ من كلام الفخر . وقوله : حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا غاية للتكذيب مقصود منها دوامهم عليه إلى آخر أوقات وجودهم . فلمّا ذاقوا بأس اللّه هلكوا واضمحلّوا ، وليست الغاية هنا للتّنهية : والرّجوع عن الفعل لظهور أنّه لا يتصوّر الرّجوع بعد استئصالهم . والذّوق مجاز في الإحساس والشّعور ، فهو من استعمال المقيّد في المطلق ، وقد تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ في سورة العقود [ 95 ] . والبأس تقدّم الكلام عليه في سورة البقرة وإضافته إلى ضمير اللّه تعالى لتعظيمه وتهويله . وأمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم بالجواب عن مقالهم الواقع أو المتوقّع بقوله : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ، ففصل جملة : قُلْ لأنّها جارية مجرى المقاولة والمجاوبة كما تقرّر غير مرّة ، وجاء بالاستفهام المقصود منه الإفحام والتهكّم بما عرف من تشبّثهم بمثل هذا الاستدلال . وجعل الاستفهام ب هَلْ لأنّها تدلّ على طلب تحقيق الإسناد المسؤول عنه ، لأنّ أصل هَلْ أنّها حرف بمعنى « قد » لاختصاصها بالأفعال ، وكثر وقوعها بعد همزة الاستفهام ، فغلب عليها معنى الاستفهام ، فكثر حذف الهمزة معها حتّى تنوسيت الهمزة في مشهور الكلام ولم تظهر معها إلا في النّادر ، وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ في سورة العقود [ 91 ] . فدلّ هَلْ على أنّه سائل عن أمر يريد أن يكون محقّقا كأنّه يرغب في حصوله فيغريهم بإظهاره حتّى إذا عجزوا كان قطعا لدعواهم . والمقصود من هذا الاستفهام التهكّم بهم في قولهم : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا - إلى -