الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
112
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَلا حَرَّمْنا ، فأظهر لهم من القول من يظهره المعجب بكلامهم . وقرينة التّهكّم بادية لأنّه لا يظنّ بالرّسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين أن يطلبوا العلم من المشركين ، كيف وهو يصارحهم بالتّجهيل والتّضليل صباح مساء . والعلم : ما قابل الجهل ، وإخراجه الإعلام به ، شبهت إفادة المعلوم لمن يجهله بإخراج الشّيء المخبوء ، وذلك مثل التّشبيه في قول النّبي صلى اللّه عليه وسلّم : « وعلم بثّه في صدور الرّجال » ولذلك كان للإتيان : ب عِنْدَكُمْ موقع حسن ، لأنّ ( عند ) في الأصل تدلّ على المكان المختصّ بالذي أضيف إليه لفظها ، فهي ممّا يناسب الخفاء ، ولولا شيوع استعمالها في المعنى المجازي حتّى صارت كالحقيقة لقلت : إنّ ذكر ( عند ) هنا ترشيح لاستعارة الإخراج للإعلام . وجعل إخراج العلم مرتّبا بفاء السّببيّة على العندية للدّلالة على أنّ السّؤال مقصود به ما يتسبّب عليه . واللّام في : فَتُخْرِجُوهُ لَنا للأجل والاختصاص ، فتؤذن بحاجة مجرورها لمتعلّقها ، أي فتخرجوه لأجلنا : أي لنفعنا ، والمعنى : لقد أبدعتم في هذا العلم الذي أبديتموه في استفادتكم أنّ اللّه أمركم بالشّرك وتحريم ما حرّمتموه بدلالة مشيئة على ذلك إذ لو شاء لما فعلتم ذلك فزيدونا من هذا العلم . وهذا الجواب يشبه المنع في اصطلاح أهل الجدل ، ولمّا كان هذا الاستفهام صوريا وكان المتكلّم جازما بانتفاء ما استفهم عنه أعقبه بالجواب بقوله : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . وجملة : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ مستأنفة لأنّها ابتداء كلام بإضراب عن الكلام الذي قبله ، فبعد أن تهكّم بهم جدّ في جوابهم ، فقال : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ أي : لا علم عندكم . وقصارى ما عندكم هو الظنّ الباطل والخرص . وهذا يشبه سند المنع في عرف أهل الجدل . والمراد بالظنّ الظنّ الكاذب وهو إطلاق له شائع كما تقدّم عند قوله تعالى : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ في هذه السّورة [ 116 ] . [ 149 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 149 ] قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 ) جواب عن قولهم : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا [ الأنعام : 148 ] تكملة للجواب السّابق لأنّه زيادة في إبطال قولهم ، وهو يشبه المعارضة في اصطلاح أهل الجدل . وأعيد فعل الأمر بالقول لاسترعاء الأسماع لما سيرد بعد فعل : قُلْ وقد كرّر ثلاث مرات متعاقبة بدون عطف ، والنكتة ما تقدم من كون القول جاريا على طريقة