الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
110
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وسبب هذه الضّلالة العارضة لأهل الضّلال من الأمم ، التي تلوح في عقول بعض عوام المسلمين في معاذيرهم للمعاصي والجرائم أن يقولوا : أمر اللّه أو مكتوب عند اللّه أو نحو ذلك ، هو الجهل بأنّ حكمة اللّه تعالى في وضع نظام هذا العالم اقتضت أن يجعل حجابا بين تصرّفه تعالى في أحوال المخلوقات ، وبين تصرّفهم في أحوالهم بمقتضى إرادتهم ، وذلك الحجاب هو ناموس ارتباط المسبّبات بأسبابها ، وارتباط أحوال الموجودات في هذا العالم بعضها ببعض ، ومنه ما يسمّى بالكسب والاستطاعة عند جمهور الأشاعرة ، ويسمّى بالقدرة عند المعتزلة وبعض الأشاعرة ، وذلك هو مورد التّكليف الدالّ على ما يرضاه اللّه وما لا يرضى به ، وأنّ اللّه وضع نظام هذا العالم بحكمة فجعل قوامه هو تدبير الأشياء أمورها من ذواتها بحسب قوى أودعها في الموجودات لتسعى لما خلقت لأجله ، وزاد الإنسان مزيّة بأن وضع له عقلا يمكّنه من تغيير أحواله على حسب احتياجه ، ووضّع له في عقله وسائل الاهتداء إلى الخير والشرّ ، كما قيّض له دعاة إلى الخير تنبّهه إليه إن عرته غفلة ، أو حجبته شهوة ، فإن هو لم يرعو غيّه ، فقد خان بساط عقله بطيّه . وبهذا ظهر تخليط أهل الضّلالة بين مشيئة العباد ومشيئة اللّه ، فلذلك ردّ اللّه عليهم هنا قولهم : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا لأنّهم جعلوا ما هو مشيئة لهم مشيئة للّه تعالى ، ومع ذلك فهو قد أثبت مشيئته في قوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا [ الأنعام : 107 ] فهي مشيئة تكوين العقول وتكوين نظام الجماعة . فهذه المشيئة التي اعتلّوا بها مشيئة خفيّة لا تتوصّل إلى الاطّلاع على كنهها عقول البشر ، فلذلك نعى اللّه عليهم استنادهم إليها على جهلهم بكنهها ، فقال : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فشبّه بتكذيبهم تكذيب المكذّبين الذين من قبلهم ، فكنّى بذلك عن كون مقصد المشركين من هذه الحجّة تكذيب النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم . وقد سبق لنا بيان في هذا المعنى في هذه السّورة [ 107 ] عند قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا . وليس في هذه الآية ما ينهض حجّة لنا على المعتزلة ، ولا للمعتزلة علينا ، وإن حاول كلا الفريقين ذلك لأنّ الفريقين متّفقان على بطلان حجّة المشركين . وفي الآية حجّة على الجبرية . وقوله تعالى : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كذّب الذين من قبلهم أنبياءهم مثل ما كذّبك هؤلاء . وهذا يدلّ على أنّ الذين أشركوا قصدوا بقولهم : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا تكذيب النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم إذ دعاهم إلى الإقلاع عمّا يعتقدون بحجّة أنّ اللّه رضيه لهم