الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
11
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 114 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 114 ] أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 ) استئناف بخطاب من اللّه تعالى إلى رسوله صلى اللّه عليه وسلّم بتقدير الأمر بالقول بقرينة السّياق كما في قوله تعالى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] أي يقولون . وقوله المتقدّم آنفا قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ [ الأنعام : 104 ] بعد أن أخبره عن تصاريف عناد المشركين ، وتكذيبهم . وتعنّتهم في طلب الآيات الخوارق ، إذ جعلوها حكما بينهم وبين الرّسول عليه الصلاة والسلام في صدق دعوته ، وبعد أن فضحهم اللّه بعداوتهم لرسوله عليه الصلاة والسلام ، وافترائهم عليه ، وأمر رسوله صلى اللّه عليه وسلّم بالإعراض عنهم وتركهم وما يفترون ، وأعلمه بأنّه ما كلّفه أن يكون وكيلا لإيمانهم ، وبأنّهم سيرجعون إلى ربّهم فينبّئهم بما كانوا يعملون ، بعد ذلك كلّه لقّن اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم أن يخاطبهم خطابا كالجواب عن أقوالهم وتورّكاتهم ، فيفرّع عليها أنّه لا يطلب حاكما بينه وبينهم غير اللّه تعالى ، الّذي إليه مرجعهم ، وأنهم إن طمعوا في غير ذلك منه فقد طمعوا منكرا ، فتقدير القول متعيّن لأنّ الكلام لا يناسب إلّا أن يكون من قول النبي عليه الصلاة والسلام . والفاء لتفريع الجواب عن مجموع أقوالهم ومقترحاتهم ، فهو من عطف التّلقين بالفاء : كما جاء بالواو في قوله تعالى : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [ البقرة : 124 ] ، ومنه بالفاء قوله في سورة الزمر [ 64 ] : قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ فكأنّ المشركين دعوا النّبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى التّحاكم في شأن نبوءته بحكم ما اقترحوا عليه من الآيات ، فأجابهم بأنّه لا يضع دين اللّه للتّحاكم ، ولذلك وقع الإنكار أن يحكّم غير اللّه تعالى ، مع أنّ حكم اللّه ظاهر بإنزال الكتاب مفصّلا بالحقّ ، وبشهادة أهل الكتاب في نفوسهم ، ومن موجبات التّقديم كون المقدّم يتضمّن جوابا لردّ طلب طلبه المخاطب ، كما أشار إليه صاحب « الكشاف » في قوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا في هذه السورة [ الأنعام : 164 ] . والهمزة للاستفهام الإنكاري : أي إن ظننتم ذلك فقد ظننتم منكرا . وتقديم أَ فَغَيْرَ اللَّهِ على أَبْتَغِي لأنّ المفعول هو محلّ الإنكار . فهو الحقيق بموالاة همزة الاستفهام الإنكاري ، كما تقدّم في قوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا في هذه السورة [ 14 ] . والحكم : الحاكم المتخصّص بالحكم الّذي لا ينقض حكمه ، فهو أخصّ من