الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
12
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الحاكم ، ولذلك كان من أسمائه تعالى : الحكم ، ولم يكن منها : الحاكم . وانتصب حَكَماً على الحال . والمعنى : لا أطلب حكما بيني وبينكم غير اللّه الّذي حكم حكمه عليكم بأنّكم أعداء مقترفون . وتقدّم الكلام على الابتغاء عند قوله تعالى : أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ في سورة آل عمران [ 83 ] . وقوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا من تمام القول المأمور به . والواو للحال أي لا أعدل عن التّحاكم إليه . وقد فصّل حكمه بإنزال القرآن إليكم لتتدبّروه فتعلموا منه صدقي ، وأنّ القرآن من عند اللّه . وقد صيغت جملة الحال على الاسميّة المعرّفة الجزأين لتفيد القصر مع إفادة أصل الخبر . فالمعنى : والحال أنّه أنزل إليكم الكتاب ولم ينزله غيره ، ونكتة ذلك أنّ في القرآن دلالة على أنّه من عند اللّه بما فيه من الإعجاز ، وبأمّيّة المنزّل عليه . وأنّ فيه دلالة على صدق الرّسول عليه الصلاة والسلام تبعا لثبوت كونه منزّلا من عند اللّه ، فإنّه قد أخبر أنّه أرسل محمّدا صلى اللّه عليه وسلّم للنّاس كافّة ، وفي تضاعيف حجج القرآن وأخباره دلالة على صدق من جاء به ؛ فحصل بصوغ جملة الحال على صيغة القصر الدّلالة على الأمرين : أنّه من عند اللّه ، والحكم للرسول عليه الصّلاة والسّلام بالصّدق . والمراد بالكتاب القرآن ، والتعريف للعهد الحضوري ، والضمير في إِلَيْكُمُ خطاب للمشركين ، فإنّ القرآن أنزل إلى النّاس كلّهم للاهتداء به ، فكما قال اللّه : بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [ النساء : 166 ] قال : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [ النساء : 174 ] وفي قوله : إِلَيْكُمُ هنا تسجيل عليهم بأنّه قد بلّغهم فلا يستطيعون تجاهلا . والمفصّل المبيّن . وقد تقدّم ذكر التّفصيل عند قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ في هذه السورة [ 55 ] . وجملة وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ معطوفة على القول المحذوف ، فتكون استئنافا مثله ، أو معطوفة على جملة أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي أو على جملة وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ ، فهو عطف تلقين عطف به الكلام المنسوب إلى اللّه على الكلام