الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
109
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ الأنعام : 145 ] ، فلمّا قطع اللّه حجّتهم في شأن تحريم ما حرّموه ، وقسمة ما قسموه ، استقصى ما بقي لهم من حجّة وهي حجّة المحجوج المغلوب الذي أعيته المجادلة ولم تبق له حجّة ، إذ يتشبّث بالمعاذير الواهية لترويج ضلاله ، بأن يقول : هذا أمر قضي وقدّر . فإن كان ضمير الرّفع في قوله : فَإِنْ كَذَّبُوكَ [ الأنعام : 147 ] عائدا إلى المشركين كان قوله تعالى هنا : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إظهارا في مقام الإضمار لزيادة تفظيع أقوالهم ، فإخبار اللّه عنهم بأنّهم سيقولون ذلك إن كان نزول هذه الآية قبل نزول آية سورة النّحل [ 35 ] : وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وهو الأرجح ، فإنّ سورة النّحل معدودة في النّزول بعد سورة الأنعام ، كان الإخبار بأنّهم سيقولونه اطلاعا على ما تكنّه نفوسهم من تزوير هذه الحجّة ، فهو معجزة من معجزات القرآن من نوع الإخبار بالغيب كقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] . وإن كان نزول هذه الآية بعد نزول آية سورة النّحل فالإخبار بأنّهم سيقولونه معناه أنّهم سيعيدون معذرتهم المألوفة . وحاصل هذه الحجّة : أنّهم يحتجّون على النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم بأنّ ما هم عليه لو لم يكن برضى اللّه تعالى لصرفهم عنه ولما يسّره لهم ، يقولون ذلك في معرض إفحام الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وإبطال حكمه عليهم بالضّلالة ، وهذه شبهة أهل العقول الأفنة الذين لا يفرّقون بين تصرّف اللّه تعالى بالخلق والتّقدير وحفظ قوانين الوجود ، وهو التصرّف الذي نسمّيه نحن بالمشيئة وبالإرادة ، وبين تصرّفه بالأمر والنّهي ، وهو الذي نسمّيه بالرّضى وبالمحبّة ، فالأوّل تصرّف التّكوين والثّاني تصرف التّكليف ، فهم يحسبون أنّ تمكّنهم من وضع قواعد الشّرك ومن التّحريم والتّحليل ما هو إلّا بأن خلق اللّه فيهم التمكّن من ذلك ، فيحسبون أنّه حين لم يمسك عنان أفعالهم كان قد رضي بما فعلوه ، وأنّه لو كان لا يرضى به لما عجز عن سلب تمكّنهم ، يحسبون أنّ اللّه يهمّه سوء تصرّفهم فيما فطرهم عليه ، ولو كان كما يتوهّمون لكان الباطل والحقّ شيئا واحدا ، وهذا ما لا يفهمه عقل حصيف ، فإنّ أهل العقول السّخيفة حين يتوهّمون ذلك كانوا غير ملتفتين إلّا إلى جانب نحلتهم ومعرضين عن جانب مخالفهم ، فإنّهم حين يقولون : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا غافلون عن أن يقال لهم . من جانب الرّسول : لو شاء اللّه ما قلت لكم أنّ فعلكم ضلال ، فيكون اللّه على حسب شبهتهم قد شاء الشّيء ونقيضه إذ شاء أنّهم يشركون وشاء أن يقول لهم الرّسول لا تشركوا .