الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

10

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ليغرّوهم . واللام لام كي وما بعدها في تأويل مصدر ، أي ولصغى ، أي ميل قلوبهم إلى وحيهم فتقوم عليهم الحجّة . ومعنى لِتَصْغى تميل ، يقال : صغى يصغى صغيا ، ويصغو صغوا - بالياء وبالواو - ووردت الآية على اعتباره - بالياء - لأنّه رسم في المصحف بصورة الياء . وحقيقته الميل الحسي ، يقال : صغى ، أي مال ، وأصغى أمال . وفي حديث الهرّة : أنّه أصغى إليها الإناء ، ومنه أطلق : أصغى بمعنى استمع ، لأنّ أصله أمال سمعه أو أذنه ، ثمّ حذفوا المفعول لكثرة الاستعمال . وهو هنا مجاز في الاتّباع وقبول القول . والّذين لا يؤمنون بالآخرة هم المشركون . وخصّ من صفات المشركين عدم إيمانهم بالآخرة ، فعرّفوا بهذه الصّلة للإيماء إلى بعض آثار وحي الشّياطين لهم . وهذا الوصف أكبر ما أضرّ بهم ، إذ كانوا بسببه لا يتوخّون فيما يصنعون خشية العاقبة وطلب الخير ، بل يتّبعون أهواءهم وما يزيّن لهم من شهواتهم ، معرضين عمّا في خلال ذلك من المفاسد والكفر ، إذ لا يترقّبون جزاء عن الخير والشرّ ، فلذلك تصغى عقولهم إلى غرور الشّياطين . ولا تصغى إلى دعوة النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم والصّالحين . وعطف وَلِيَرْضَوْهُ على وَلِتَصْغى ، وإن كان الصّغي يقتضي الرّضى ويسبّبه فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالفاء وأن لا تكرّر لام التّعليل ، فخولف مقتضى الظاهر ، للدلالة على استقلاله بالتّعليل ، فعطف بالواو وأعيدت اللّام لتأكيد الاستقلال ، فيدل على أن صغى أفئدتهم إليه ما كان يكفي لعملهم به إلّا لأنّهم رضوه . وعطف وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ على و لِيَرْضَوْهُ كعطف و لِيَرْضَوْهُ على وَلِتَصْغى . والاقتراف افتعال من قرف إذا كسب سيئة ، قال تعالى بعد هذه الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ [ الأنعام : 120 ] فذكر هنالك ل يَكْسِبُونَ مفعولا لأنّ الكسب يعمّ الخير والشرّ ، ولم يذكر هنا ل يَقْتَرِفُونَ مفعولا لأنّه لا يكون إلّا اكتساب الشرّ ، ولم يقل : سيجزون بما كانوا يكسبون لقصد تأكيد معنى الإثم . يقال : قرف واقترف وقارف . وصيغة الافتعال وصيغة المفاعلة فيه للمبالغة ، وهذه المادة تؤذن بأمر ذميم . وحكوا أنّه يقال : قرف فلان لعياله ، أي كسب ، ولا أحسبه صحيحا . وجيء في صلة الموصول بالجملة الاسميّة في قوله : ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ للدلالة على تمكّنهم في ذلك الاقتراف وثباتهم فيه .