الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

7

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واعلم أنّ نزول هذه السورة جملة واحدة على الصحيح لا يناكد ما يذكر لبعض آياتها من أسباب نزولها ، لأنّ أسباب نزول تلك الآيات إن كان لحوادث قبل الهجرة فقد تتجمّع أسباب كثيرة في مدة قصيرة قبل نزول هذه السورة ، فيكون نزول تلك الآيات مسبّبا على تلك الحوادث ، وإن كان بعد الهجرة جاز أن تكون تلك الآيات مدنيّة ألحقت بسورة الأنعام لمناسبات . على أنّ أسباب النزول لا يلزم أن تكون مقارنة لنزول آيات أحكامها فقد يقع السبب ويتأخّر تشريع حكمه . وعلى القول الأصحّ أنّها مكيّة فقد عدّت هذه السورة الخامسة والخمسين في عدّ نزول السور . نزلت بعد سورة الحجر وقبل سورة الصافات . وعدد آياتها مائة وسبع وستّون في العدد المدني والمكّي ، ومائة وخمس وستّون في العدد الكوفي ، ومائة وأربع وستون في الشامي والبصري . أغراض هذه السورة ابتدأت بإشعار الناس بأن حقّ الحمد ليس إلّا للّه لأنّه مبدع العوالم جواهر وأعراضا فعلم أنّه المتفرّد بالإلهية . وإبطال تأثير الشركاء من الأصنام والجنّ بإثبات أنّه المتفرّد بخلق العالم جواهره وأعراضه ، وخلق الإنسان ونظام حياته وموته بحكمته تعالى وعلمه ، ولا تملك آلهتهم تصرّفا ولا علما . وتنزيه اللّه عن الولد والصاحبة . قال أبو إسحاق الأسفرائيني في سورة الأنعام كلّ قواعد التوحيد . وموعظة المعرضين عن آيات القرآن والمكذّبين بالدين الحقّ ، وتهديدهم بأن يحلّ بهم ما حلّ بالقرون المكذّبين من قبلهم والكافرين بنعم اللّه تعالى ، وأنّهم ما يضرّون بالإنكار إلّا أنفسهم . ووعيدهم بما سيلقون عند نزع أرواحهم ، ثم عند البعث . وتسفيه المشركين فيما اقترحوه على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من طلب إظهار الخوارق تهكّما . وإبطال اعتقادهم أنّ اللّه لقّنهم على عقيدة الإشراك قصدا منهم لإفحام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وبيان حقيقة مشيئة اللّه . وإثبات صدق القرآن بأنّ أهل الكتاب يعرفون أنّه الحقّ . والإنحاء على المشركين تكذيبهم بالبعث ، وتحقيق أنّه واقع ، وأنّهم يشهدون بعده العذاب ، وتتبرّأ منهم آلهتهم التي عبدوها ، وسيندمون على ذلك ، كما أنّها لا تغني عنهم شيئا في الحياة الدنيا ، فإنّهم لا يدعون إلّا اللّه عند النوائب .