الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

16

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فصلت ، لأنّها تتنزّل منا منزلة التوكي لأنّ انفراده بالإلهيّة في السماوات وفي الأرض ممّا يقتضي علمه بأحوال بعض الموجودات الأرضية . ولا يجوز تعليق فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ بالفعل في قوله : يَعْلَمُ سِرَّكُمْ لأنّ سرّ النّاس وجهرهم وكسبهم حاصل في الأرض خاصّة دون السماوات ، فمن قدّر ذلك فقد أخطأ خطأ خفيّا . وذكر السرّ لأنّ علم السرّ دليل عموم العلم ، وذكر الجهر لاستيعاب نوعي الأقوال . والمراد ب تَكْسِبُونَ جميع الاعتقادات والأعمال من خير وشر فهو تعريض بالوعد والوعيد . والخطاب لجميع السامعين ؛ فدخل فيه الكافرون ، وهم المقصود الأول من هذا الخطاب ، لأنّه تعليم وإيقاظ بالنسبة إليهم وتذكير بالنسبة إلى المؤمنين . [ 4 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 4 ] وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 ) هذا انتقال إلى كفران المشركين في تكذيبهم رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن أقيمت عليهم الحجّة ببطلان كفرهم في أمر الشرك باللّه في الإلهيّة ، وقد عطف لأنّ الأمرين من أحوال كفرهم ولأنّ الذي حملهم على تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هو دعوته إياهم إلى التوحيد ، فمن أجله نشأ النزاع بينهم وبينه فكذبوه وسألوه الآيات على صدقه . وضمائر جمع الغائبين مراد منها المشركون الذين هم بعض من شملته ضمائر الخطاب في الآية التي قبلها ، ففي العدول عن الخطاب إلى الغيبة بالنسبة إليهم التفات أوجبه تشهيرهم بهذا الحال الذميم ، تنصيصا على ذلك ، وإعراضا عن خطابهم ، وتمحيضا للخطاب للمؤمنين ، وهو من أحسن الالتفات ، لأنّ الالتفات يحسنه أن يكون له مقتض زائد على نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب المراد منه تجديد نشاط السامع . وتكون الواو استئنافية وما بعدها كلاما مستأنفا ابتدائيا . واستعمل المضارع في قوله : تَأْتِيهِمْ للدلالة على التجدّد وإن كان هذا الإتيان ماضيا أيضا بقرينة المضي في قوله : إِلَّا كانُوا . والمراد بإتيانها بلوغها إليهم وتحدّيهم بها ، فشبّه البلوغ بمجيء الجائي ، كقول النابغة :