الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

97

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وطلب ما يوصلهم إلى مرضاة اللّه . وقابل قتالا مذموما بقتال يحمد فاعله عاجلا وآجلا » . والوسيلة : كالوصيلة . وفعل وسل قريب من فعل وصل ، فالوسيلة : القربة ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، أي متوسّل بها أي اتبعوا التقرّب إليه ، أي بالطاعة . و إِلَيْهِ متعلّق ب الْوَسِيلَةَ أي الوسيلة إلى اللّه تعالى . فالوسيلة أريد بها ما يبلغ به إلى اللّه ، وقد علم المسلمون أنّ البلوغ إلى اللّه ليس بلوغ مسافة ولكنّه بلوغ زلفى ورضى . فالتّعريف في الوسيلة تعريف الجنس ، أي كلّ ما تعلمون أنّه يقرّبكم إلى اللّه ، أي ينيلكم رضاه وقبول أعمالكم لديه . فالوسيلة ما يقرّب العبد من اللّه بالعمل بأوامره ونواهيه . وفي الحديث القدسي : « ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه » الحديث . والمجرور في قوله : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ متعلّق ب ابْتَغُوا . ويجوز تعلّقه ب الْوَسِيلَةَ ، وقدم على متعلّقه للحصر ، أي لا تتوسّلوا إلّا إليه لا إلى غيره فيكون تعريضا بالمشركين لأنّ المسلمين لا يظنّ بهم ما يقتضي هذا الحصر . [ 36 ، 37 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 36 إلى 37 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 36 ) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 37 ) الأظهر أنّ هذه الجملة متّصلة بجملة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [ المائدة : 33 ] اتّصال البيان ؛ فهي مبيّنة للجملة السابقة تهويلا للعذاب الّذي توعّدهم اللّه به في قوله : ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [ المائدة : 33 ] فإنّ أولئك المحاربين الّذين نزلت تلك الآية في جزائهم كانوا قد كفروا بعد إسلامهم وحاربوا اللّه ورسوله ، فلمّا ذكر جزاؤهم عقّب بذكر جزاء يشملهم ويشمل أمثالهم من الّذين كفروا وذلك لا يناكد كون الآية للسابقة مرادا بها ما يشتمل أهل الحرابة من المسلمين . والشرط في قوله : لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ مقدّر بفعل دلّت عليه ( أنّ ) ، إذ التّقدير : لو ثبت ما في الأرض ملكا لهم ؛ فإنّ ( لو ) لاختصاصها بالفعل صحّ الاستغناء عن ذكره بعدها إذا وردت ( أنّ ) بعدها . وقوله وَمِثْلَهُ مَعَهُ معطوف على ما فِي الْأَرْضِ ، ولا حاجة إلى جعله مفعولا معه للاستغناء عن ذلك بقوله مَعَهُ . واللام في لِيَفْتَدُوا بِهِ لتعليل الفعل المقدّر ، أي لو ثبت لهم ما في الأرض لأجل الافتداء به لا لأجل أن يكنزوه أو يهبوه .