الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

98

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأفرد الضمير في قوله : بِهِ مع أنّ المذكور شيئان هما : ما فِي الْأَرْضِ وَمِثْلَهُ : إمّا على اعتبار الضّمير راجعا إلى ما فِي الْأَرْضِ فقط ، ويكون قوله وَمِثْلَهُ مَعَهُ معطوفا مقدّما من تأخير . وأصل الكلام لو أنّ لهم ما في الأرض ليفتدوا به ومثله معه . ودلّ على اعتباره مقدّما من تأخير إفراد الضّمير المجرور بالباء . ونكتة التّقديم تعجيل اليأس من الافتداء إليهم ولو بمضاعفة ما في الأرض . وإمّا ، وهو الظاهر عندي ، أن يكون الضّمير عائدا إلى مِثْلَهُ مَعَهُ ، لأنّ ذلك المثل شمل ما في الأرض وزيادة فلم تبق جدوى لفرض الافتداء بما في الأرض لأنّه قد اندرج في مثله الذي معه . ويجوز أن يجرى الضّمير مجرى اسم الإشارة في صحّة استعماله مفردا مع كونه عائدا إلى متعدّد على تأويله بالمذكور ؛ وهذا شائع في اسم الإشارة كقوله تعالى : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [ البقرة : 68 ] أي بين الفارض والبكر ، وقوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [ الفرقان : 68 ] إشارة ما ذكر من قوله : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [ الفرقان : 68 ] ، لأنّ الإشارة صالحة للشيء وللأشياء ، وهو قليل في الضّمير ، لأنّ صيغ الضّمائر كثيرة مناسبة لما تعود إليه فخروجها عن ذلك عدول عن أصل الوضع ، وهو قليل ولكنّه فصيح ، ومنه قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [ الأنعام : 46 ] أي بالمذكور . وقد جعله في « الكشاف » محمولا على اسم الإشارة ، وكذلك تأوّله رؤبة لمّا . أنشد قوله : فيها خطوط من سواد وبلق * كأنّه في الجلد توليع البهق فقال أبو عبيدة : قلت : لرؤبة إن أردت الخطوط فقل : كأنّها ، وإن أردت السواد فقل : كأنّهما ، فقال : أردت كأنّ ذلك ويلك . ومنه في الضّمير قوله تعالى : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً [ النساء : 4 ] . وقد تقدّم عند قوله تعالى : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ في سورة البقرة [ 68 ] . وقوله : وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ أي دائم تأكيد لقوله : وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها . [ 38 ، 39 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 38 إلى 39 ] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 ) جملة معطوفة على جملة إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ [ المائدة : 33 ] . وَالسَّارِقُ