الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
96
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
زيادة تصريح بانتفاء الحكم المستثنى منه عن المستثنى في استعمال العرب ، وعند جمهور العلماء . فليس المستثنى مسكوتا عنه كما يقول الحنفية ، ولولا الاستثناء لما دلّت الآية على سقوط عقوبة المحارب المذكورة . فلو قيل : فإن تابوا ، لم تدلّ إلّا على قبول التّوبة منهم في إسقاط عقاب الآخرة . ومعنى مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ما كان قبل أن يتحقّق المحارب أنّه مأخوذ أو يضيّق عليه الحصار أو يطارد في جميع البلاد ويضيق عليه ، فإن أتى قبل ذلك كلّه طائعا نادما سقط عنه ما شرع اللّه له من العقوبة ، لأنّه قد دلّ على انتقال حاله من فساد إلى صلاح فلم تبق حكمة في عقابه . ولمّا لم تتعرّض الآية إلى غرم ما أتلفه بحرابته علم أنّ التّوبة لا تؤثّر في سقوط ما كان قد اعتلق به من حقوق النّاس من مال أو دم ، لأنّ ذلك معلوم بأدلّة أخرى . وقوله : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تذكير بعد تمام الكلام ودفع لعجب من يتعجّب من سقوط العقاب عنهم . فالفاء فصيحة عمّا دلّ عليه الاستثناء من سقوط العقوبة مع عظم الجرم ، والمعنى : إن عظم عندكم سقوط العقوبة عمّن تاب قبل أن يقدر عليه فاعلموا أنّ اللّه غفور رحيم . وقد دلّ قوله فَاعْلَمُوا على تنزيل المخاطبين منزلة من لا يعلم ذلك نظرا لاستعظامهم هذا العفو . وقد رأيت أنّ شأن فعل ( اعلم ) أن يدلّ على أهميّة الخبر ، كما سيأتي في قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ في سورة الأنفال [ 24 ] وقوله فيها : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ [ الأنفال : 41 ] . [ 35 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 35 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 35 ) اعتراض بين آيات وعيد المحاربين وأحكام جزائهم وبين ما بعده من قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ المائدة : 36 ] الآية . خاطب المؤمنين بالتّرغيب بعد أن حذّرهم من المفاسد ، على عادة القرآن في تخلّل الأغراض بالموعظة والتّرغيب والتّرهيب ، وهي طريقة من الخطابة لاصطياد النّفوس ، كما قال الحريري : « فلمّا دفنوا الميت ، وفات قول ليت ، أقبل شيخ من رباوة ، متأبّطا لهراوة ، . فقال : لمثل هذا فليعمل العاملون ، إلخ . فعقّب حكم المحاربين من أهل الكفر بأمر المؤمنين بالتّقوى