الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
268
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اللّامان بمنزلة اللّامين في قولك : وهبت له ثوبا لقميصه . يريد أن تكون اللام الأولى متعلّقة ب تَكُونُ والثانية متعلّقة ب عِيداً . وقد استقريت ما بلغت إليه من موارد استعماله فتحصّل عندي أنّ العامل الأصيل من فعل وشبهه لا يتكرّر مع البدل ، وأمّا العامل التكميلي لعامل غيره وذلك حرف الجرّ خاصّة فهو الذي ورد تكريره في آيات من القرآن من قوله تعالى : قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ في سورة الأعراف [ 75 ] ، وآية سورة الزخرف ، وقوله : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ [ الأنعام : 99 ] . ذلك لأنّ حرف الجرّ مكمّل لعمل الفعل الذي يتعلّق هو به لأنّه يعدّي الفعل القاصر إلى مفعوله في المعنى الذي لا يتعدّى إليه بمعنى مصدره ، فحرف الجرّ ليس بعامل قوي ولكنّه مكمّل للعامل المتعلّق هو به . ثمّ إنّ علينا أن نتطلّب الداعي إلى إظهار حرف الجرّ في البدل في مواقع ظهوره . وقد جعل ابن يعيش في « شرح المفصّل » ذلك للتأكيد قال : « لأن الحرف قد يتكرّر لقصد التأكيد » . وهذا غير مقنع لنا لأنّ التأكيد أيضا لا بدّ من داع يدعو إليه . فما أظهر فيه حرف الجرّ من هذه الآيات كان مقتضي إظهاره إمّا قصد تصوير الحالة كما في أكثر الآيات ، وأمّا دفع اللبس ، وذلك في خصوص آية الأعراف لئلّا يتوهّم السامع أنّ من يتوهّم أنّ « من آمن » من المقول وأنّ « من » استفهام فيظنّ أنّهم يسألون عن تعيين من آمن من القوم ، ومعنى التأكيد حاصل على كلّ حال لأنّه ملازم لإعادة الكلمة . وأمّا ما ليس بعامل فهو الاستفهام وقد التزم ظهور همزة الاستفهام في البدل من اسم استفهام ، نحو : أين تنزل أفي الدار أم في الحائط ، ومن ذا أسعيد أم علي . وهذا العيد الذي ذكر في هذه الآية غير معروف عند النصارى ولكنّهم ذكروا أنّ عيسى - عليه السلام - أكل مع الحواريّين على مائدة ليلة عيد الفصح ، وهي الليلة التي يعتقدون أنّه صلب من صباحها . فلعلّ معنى كونها عيدا أنّها صيّرت يوم الفصح عيدا في المسيحية كما كان عيدا في اليهودية ، فيكون ذلك قد صار عيدا باختلاف الاعتبار وإن كان اليوم واحدا لأنّ المسيحيين وفّقوا لأعياد اليهود مناسبات أخرى لائقة بالمسيحية إعفاء على آثار اليهودية . وجملة قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها جواب دعاء عيسى ، فلذلك فصلت على طريقة المحاورة . وأكّد الخبر بأن تحقيقا للوعد . والمعنى إنّي منزّلها عليكم الآن ، فهو