الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

269

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

استجابة وليس بوعد . وقوله : فَمَنْ يَكْفُرْ تفريع عن إجابة رغبتهم ، وتحذير لهم من الوقوع في الكفر بعد الإيمان إعلاما بأهمّية الإيمان عند اللّه تعالى ، فجعل جزاء إجابته إيّاهم أن لا يعودوا إلى الكفر فإن عادوا عذّبوا عذابا أشدّ من عذاب سائر الكفّار لأنّهم تعاضد لديهم دليل العقل والحسّ فلم يبق لهم عذر . والضمير المنصوب في قوله لا أُعَذِّبُهُ ضمير المصدر ، فهو في موضع المفعول المطلق وليس مفعولا به ، أي لا أعذّب أحدا من العالمين ذلك العذاب ، أي مثل ذلك العذاب . وقد وقفت قصّة سؤال المائدة عند هذا المقدار وطوي خبر ما ذا حدث بعد نزولها لأنّه لا أثر له في المراد من القصّة ، وهو العبرة بحال إيمان الحواريّين وتعلّقهم بما يزيدهم يقينا ، وبقربهم إلى ربّهم وتحصيل مرتبة الشهادة على من يأتي بعدهم ، وعلى ضراعة المسيح الدالّة على عبوديته ، وعلى كرامته عند ربّه إذ أجاب دعوته ، وعلى سعة القدرة . وأمّا تفصيل ما حوته المائدة وما دار بينهم عند نزولها فلا عبرة فيه . وقد أكثر فيه المفسّرون بأخبار واهية الأسانيد سوى ما أخرجه الترمذي في أبواب التفسير عن الحسن بن قزعة بسنده إلى عمّار بن يسار قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما » الحديث . قال الترمذي : هذا الحديث رواه غير واحد عن عمّار بن ياسر موقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلّا من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا . واختلف المفسّرون في أنّ المائدة هل نزلت من السماء أو لم تنزل . فعن مجاهد والحسن أنّهم لمّا سمعوا قوله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ الآية خافوا فاستعفوا من طلب نزولها فلم تنزل . وقال الجمهور : نزلت . وهو الظاهر لأنّ قوله تعالى : إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ وعد لا يخلف ، وليس مشروطا بشرط ولكنه معقّب بتحذير من الكفر ، وذلك حاصل أثره عند الحواريّين وليسوا ممّن يخشى العود إلى الكفر سواء نزلت المائدة أم لم تنزل . وأمّا النصارى فلا يعرفون خبر نزول المائدة من السماء ، وكم من خبر أهملوه في الأناجيل . [ 116 - 118 ]