الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
265
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
واسم مائِدَةً هو الخوان الموضوع عليه طعام ، فهو اسم لمعنى مركّب يدلّ على طعام وما يوضع عليه . والخوان - بكسر الخاء وضمّها - تخت من خشب له قوائم مجعول ليوضع عليه الطعام للأكل ، اتّفقوا على أنّه معرّب . قال الجواليقي : هو أعجمي . وفي حديث قتادة عن أنس قال : ما أكل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على خوان قطّ ، ولا في سكرّجة ، قال قتادة : قلت لأنس : فعلام كنتم تأكلون قال : على السّفر ، وقيل : المائدة اسم الطعام ، وإن لم يكن في وعاء ولا على خوان . وجزم بذلك بعض المحقّقين من أهل اللغة ، ولعلّه مجاز مرسل بعلاقة المحلّ . وذكر القرطبي أنّه لم تكن للعرب موائد إنّما كانت لهم السفرة . وما ورد في الحديث من قول ابن عباس في الضبّ : لو كان حراما ما أكل على مائدة رسول اللّه ، إنّما يعني به الطعام الموضوع على سفرة . واسم السفرة غلب إطلاقه على وعاء من أديم مستدير له معاليق ليرفع بها إذ أريد السفر به . وسمّيت سفرة لأنّها يتّخذها المسافر . وإنّما سأل الحواريّون كون المائدة منزّلة من السماء لأنّهم رغبوا أن تكون خارقة للعادة فلا تكون ممّا صنع في العالم الأرضي فتعيّن أن تكون من عالم علوي . وقول عيسى حين أجابهم اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أمر بملازمة التقوى وعدم تزلزل الإيمان ، ولذلك جاء ب أَنْ المفيدة للشكّ في الإيمان ليعلم الداعي إلى ذلك السؤال خشية أن يكون نشأ لهم عن شكّ في صدق رسولهم ، فسألوا معجزة يعلمون بها صدقه بعد أن آمنوا به ، وهو قريب من قوله تعالى لإبراهيم المحكي في قوله : قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ، أي ألم تكن غنيّا عن طلب الدليل المحسوس . فالمراد بالتقوى في كلام عيسى ما يشمل الإيمان وفروعه . وقيل : نهاهم عن طلب المعجزات ، أي إن كنتم مؤمنين فقد حصل إيمانكم فما الحاجة إلى المعجزة . فأجابوه عن ذلك بأنّهم ما أرادوا ذلك لضعف في إيمانهم إنّما أرادوا التيمّن بأكل طعام نزل من عند اللّه إكراما لهم ، ولذلك زادوا مِنْها ولم يقتصروا على أَنْ نَأْكُلَ إذ ليس غرضهم من الأكل دفع الجوع بل الغرض التشرّف بأكل من شيء نازل من السماء . وهذا مثل أكل أبي بكر من الطعام الذي أكل منه ضيفه في بيته حين انتظروه بالعشاء إلى أن ذهب جزء من الليل ، وحضر أبو بكر وغضب من تركهم الطعام ، فلمّا أخذوا يطعمون جعل الطعام يربو فقال أبو بكر لزوجه : ما هذا يا أخت بني فراس . وحمل من الغد بعض ذلك الطعام إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فأكل منه . ولذلك قال الحواريّون : وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا أي بمشاهدة هذه المعجزة فإنّ الدليل الحسي أظهر في النفس ، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا ، أي نعلم علم ضرورة لا علم استدلال