الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
266
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فيحصل لهم العلمان ، وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ، أي من الشاهدين على رؤية هذه المعجزة فنبلّغها من لم يشهدها . فهذه أربع فوائد لسؤال إنزال المائدة ، كلّها درجات من الفضل الذي يرغب فيه أمثالهم . وتقديم الجارّ والمجرور في قوله عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ للرعاية على الفاصلة . [ 114 ، 115 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 114 إلى 115 ] قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 114 ) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 115 ) إن كان قوله : إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [ المائدة : 112 ] من تمام الكلام الذي يلقيه اللّه على عيسى يوم يجمع اللّه الرسل كانت هذه الجملة وهي قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً إلخ . . . معترضة بين جملة وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ [ المائدة : 111 ] وجملة وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [ المائدة : 116 ] الآية . وإن كان قوله : إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ [ المائدة : 112 ] الآية ابتداء كلام بتقدير فعل اذكر كانت جملة : قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا الآية مجاوبة لقول الحواريّين يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ [ المائدة : 112 ] الآية على طريقة حكاية المحاورات . وقوله : اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً اشتمل على نداءين ، إذ كان قوله : رَبَّنا بتقدير حرف النداء . كرّر النداء مبالغة في الضراعة . وليس قوله : رَبَّنا بدلا ولا بيانا من اسم الجلالة ، لأنّ نداء اللَّهُمَّ لا يتبع عند جمهور النحاة لأنّه جار مجرى أسماء الأصوات من أجل ما لحقه من التغيير حتى صار كأسماء الأفعال . ومن النحاة من أجاز اتباعه ، وأيّا ما كان فإنّ اعتباره نداء ثانيا أبلغ هنا لا سيما وقد شاع نداء اللّه تعالى رَبَّنا مع حذف حرف النداء كما في الآيات الخواتم من سورة آل عمران . وجمع عيسى بين النداء باسم الذات الجامع لصفات الجلال وبين النداء بوصف الربوبية له وللحواريّين استعطافا للّه ليجيب دعاءهم . ومعنى تَكُونُ لَنا عِيداً أي يكون تذكّر نزولها بأن يجعلوا اليوم الموافق يوم نزولها من كلّ سنة عيدا ، فإسناد الكون عيدا للمائدة إسناد مجازي ، وإنّما العيد اليوم الموافق