الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

264

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويجوز أن يكون جملة : إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ابتدائية بتقدير : اذكر ، على أسلوب قوله تعالى : إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً في سورة النمل [ 7 ] ، فيكون الكلام تخلّصا إلى ذكر قصّة المائدة لمناسبة حكاية ما دار بين عيسى وبين الحواريّين في قوله تعالى : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي . [ المائدة : 111 ] وابتدءوا خطابهم عيسى بندائه باسمه للدلالة على أنّ ما سيقولونه أمر فيه اقتراح وكلفة له ، وكذلك شأن من يخاطب من يتجشّم منه كلفة أن يطيل خطابه طلبا لإقبال سمعه إليه ليكون أوعى للمقصود . وجرى قوله تعالى : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ على طريقة عربية في العرض والدعاء ، يقولون للمستطيع لأمر : هل تستطيع كذا ، على معنى تطلّب العذر له إن لم يجبك إلى مطلوبك وأنّ السائل لا يحبّ أن يكلّف المسؤول ما يشقّ عليه ، وذلك كناية فلم يبق منظورا فيه إلى صريح المعنى المقتضي أنّه يشكّ في استطاعة المسؤول ، وإنّما يقول ذلك الأدنى للأعلى منه ، وفي شيء يعلم أنه مستطاع للمسئول ، فقرينة الكناية تحقّق المسؤول أنّ السائل يعلم استطاعته . ومنه ما جاء في حديث يحيى المازني « أنّ رجلا قال لعبد اللّه بن زيد : أتستطيع أن تريني كيف كان رسول اللّه يتوضّأ » . فإنّ السائل يعلم أنّ عبد اللّه بن زيد لا يشقّ عليه ذلك . فليس قول الحواريّين المحكي بهذا اللفظ في القرآن إلّا لفظا من لغتهم يدلّ على التلطّف والتأدّب في السؤال ، كما هو مناسب أهل الإيمان الخالص . وليس شكّا في قدرة اللّه تعالى ولكنّهم سألوا آية لزيادة اطمئنان قلوبهم بالإيمان بأن ينتقلوا من الدليل العقلي إلى الدليل المحسوس . فإنّ النفوس بالمحسوس آنس ، كما لم يكن سؤال إبراهيم بقوله رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [ البقرة : 260 ] شكّا في الحال . وعلى هذا المعنى جرى تفسير المحققين مثل ابن عطية ، والواحدي ، والبغوي خلافا لما في « الكشاف » . وقرأ الجمهور : يَسْتَطِيعُ بياء الغيبة ورفع رَبُّكَ . وقرأه الكسائي هل تستطيع ربك - بتاء المخاطب ونصب الباء الموحّدة - من قوله رَبُّكَ على أنّ رَبُّكَ مفعول به ، فيكون المعنى هل تسأل لنا ربّك ، فعبّر بالاستطاعة عن طلب الطاعة ، أي إجابة السؤال . وقيل : هي على حذف مضاف تقديره هل تستطيع سؤال ربّك ، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف في إعرابه . وفي رواية الطبري عن عائشة قالت : كان الحواريّون أعلم باللّه عزّ وجل من أن يقولوا : هل يستطيع ربّك ، ولكن قالوا : هل تستطيع ربّك . وعن معاذ بن جبل أقرأنا النبي هل تستطيع ربك .