الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
226
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتعليل اتّصال وليس باستئناف ، لأنّ الاستئناف انفصال . وليس في الكلام السابق ما يصلح لأن تتعلّق به لام التعليل إلّا قوله جَعَلَ . وليست الإشارة إلّا للجعل المأخوذ من قوله جَعَلَ . والمعنى : جعل اللّه الكعبة قياما للناس لتعلموا أن اللّه يعلم إلخ . . ، أي أنّ من الحكمة التي جعل الكعبة قياما للناس لأجلها أن تعلموا أنه يعلم . فجعل الكعبة قياما مقصود منه صلاح الناس بادئ ذي بدء لأنّه المجعولة عليه ، ثم مقصود منه علم الناس بأنّه تعالى عليم . وقد تكون فيه حكم أخرى لأنّ لام العلّة لا تدلّ على انحصار تعليل الحكم الخبري في مدخولها لإمكان تعدّد العلل للفعل الواحد ، لأنّ هذه علل جعلية لا إيجادية ، وإنّما اقتصر على هذه العلة دون غيرها لشدّة الاهتمام بها ، لأنّها طريق إلى معرفة صفة من صفات اللّه تحصل من معرفتها فوائد جمّة للعارفين بها في الامتثال والخشية والاعتراف بعجز من سواه وغير ذلك . فحصول هذا العلم غاية من الغايات التي جعل اللّه الكعبة قياما لأجلها . والمقصود أنّه يعلم ما في السماوات وما في الأرض قبل وقوعه لأنّه جعل التعليل متعلّقا بجعل الكعبة وما تبعها قياما للناس . وقد كان قيامها للناس حاصلا بعد وقت جعلها بمدّة ، وقد حصل بعضه يتلو بعضا في أزمنة متراخية كما هو واضح . وأمّا كونه يعلم ذلك بعد وقوعه فلا يحتاج للاستدلال لأنّه أولى ، ولأنّ كثيرا من الخلائق قد علم تلك الأحوال بعد وقوعها . ووجه دلالة جعل الكعبة قياما للناس وما عطف عليها ، على كونه تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، أنّه تعالى أمر ببناء الكعبة في زمن إبراهيم ، فلم يدر أحد يومئذ إلّا أنّ إبراهيم اتّخذها مسجدا ، ومكة يومئذ قليلة السكّان ، ثم إنّ اللّه أمر بحج الكعبة وبحرمة حرمها وحرمة القاصدين إليها ، ووقّت للناس أشهرا القصد فيها ، وهدايا يسوقونها إليها فإذا في جميع ذلك صلاح عظيم وحوائل دون مضارّ كثيرة بالعرب لولا إيجاد الكعبة ، كما بيّنّاه آنفا . فكانت الكعبة سبب بقائهم حتى جاء اللّه بالإسلام . فلا شك أنّ الذي أمر ببنائها قد علم أن ستكون هنالك أمّة كبيرة ، وأن ستحمد تلك الأمّة عاقبة بناء الكعبة وما معه من آثارها . وكان ذلك تمهيدا لما علمه من بعثة محمد - صلى اللّه عليه وسلّم - فيهم ، وجعلهم حملة شريعته إلى الأمم ، وما عقب ذلك من عظم سلطان المسلمين وبناء حضارة الإسلام . ثم هو يعلم ما في الأرض وليس هو في الأرض بدليل المشاهدة ، أو بالترفّع عن