الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

227

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

النقص فلا جرم أن يكون عالما بما في السماوات ، لأنّ السماوات إمّا أن تكون مساوية للأرض في أنّه تعالى ليس بمستقرّ فيها ، ولا هي أقرب إليه من الأرض ، كما هو الاعتقاد الخاصّ ، فثبت له العلم بما في السماوات بقياس المساواة ؛ وإمّا أن يكون تعالى في أرفع المكان وأشرف العوالم ، فيكون علمه بما في السماوات أحرى من علمه بما في الأرض ، لأنّها أقرب إليه وهو بها أعني ، فيتمّ الاستدلال للفريقين . وأمّا دلالة ذلك على أنّه بكلّ شيء عليم فلأنّ فيما ثبت من هذا العلم الذي تقرّر من علمه بما في السماوات وما في الأرض أنواعا من المعلومات جليلة ودقيقة ؛ فالعلم بها قبل وقوعها لا محالة ، فلو لم يكن يعلم جميع الأشياء لم يخل من جهل بعضها ، فيكون ذلك الجهل معطّلا لعلمه بكثير ممّا يتوقّف تدبيره على العلم بذلك المجهول فهو ما دبر جعل الكعبة قياما وما نشأ عن ذلك إلّا عن عموم علمه بالأشياء ولولا عمومه ما تمّ تدبير ذلك المقدّر . [ 98 ، 99 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 98 إلى 99 ] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) استئناف ابتدائي وتذييل لما سبق من حظر الصيد للمحرم وإباحة صيد البحر والامتنان بما جعل للكعبة من النعم عليهم ليطمئنّوا لما في تشريع تلك الأحكام من تضييق على تصرّفاتهم ليعلموا أنّ ذلك في صلاحهم ، فذيل بالتذكير بأنّ اللّه منهم بالمرصاد يجازي كل صانع بما صنع من خير أو شر . وافتتاح الجملة ب اعْلَمُوا للاهتمام بمضمونها كما تقدّم عند قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ في سورة البقرة [ 223 ] . وقد استوفى قوله : أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أقسام معاملته تعالى فهو شديد العقاب لمن خالف أحكامه وغفور لمن تاب وعمل صالحا . وافتتاح الجملة بلفظ اعْلَمُوا للاهتمام بالخبر كما تقدّم عند قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ في سورة البقرة [ 223 ] . وجملة ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ معترضة ذيل بها التعريض بالوعيد والوعد . ومضمونها إعذار الناس لأن الرسول قد بلّغ إليهم ما أراد اللّه منهم فلا عذر لهم في التقصير ، والمنّة للّه ولرسوله فيما أرشدهم إليه من خير . والقصر ليس بحقيقي لأنّ على الرسول أمورا أخر غير البلاغ مثل التعبّد للّه تعالى ،