الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

222

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مفعولين ، وكلا المعنيين صالح هنا . والأظهر الأول فإنّ اللّه أوجد الكعبة ، أي أمر خليله بإيجادها لتكون قياما للناس . فقوله : قِياماً منصوب على الحال ، وهي حال مقدّرة ، أي أوجدها مقدّرا أن تكون قياما . وإذا حمل جَعَلَ على معنى التصيير كان المعنى أنّها موجودة بيت عبادة فصيّرها اللّه قياما للناس لطفا بأهلها ونسلهم ، فيكون قِياماً مفعولا ثانيا ل جَعَلَ . وأمّا قوله : الْبَيْتَ الْحَرامَ يصحّ جعله مفعولا . والكعبة علم على البيت الذي بناه إبراهيم - عليه السلام - بمكة بأمر اللّه تعالى ليكون آية للتوحيد . وقد تقدّم ذلك في تفسير قوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ في سورة آل عمران [ 96 ] . قالوا : إنّه علم مشتقّ من الكعب ، وهو النتوء والبروز ، وذلك محتمل . ويحتمل أنّهم سمّوا كلّ بارز كعبة ، تشبيها بالبيت الحرام ، إذ كان أول بيت عندهم ، وكانوا من قبله أهل خيام ، فصار البيت مثلا يمثّل به كلّ بارز . وأمّا إطلاق الكعبة على ( القليس ) الذي بناه الحبشة في صنعاء ، وسمّاه بعض العرب الكعبة اليمانية ، وعلى قبة نجران التي أقامها نصارى نجران لعبادتهم التي عناها الأعشى في قوله : فكعبة نجران حتم عليك * حتى تناخي بأبوابها فذلك على وجه المحاكاة والتشبيه ، كما سمّى بنو حنيفة مسليمة رحمان . وقوله : الْبَيْتَ الْحَرامَ بيان للكعبة . قصد من هذا البيان التنويه والتعظيم ، إذ شأن البيان أن يكون موضّحا للمبيّن بأن يكون أشهر من المبيّن . ولمّا كان اسم الكعبة مساويا للبيت الحرام في الدلالة على هذا البيت فقد عبّر به عن الكعبة في قوله تعالى : وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ [ المائدة : 2 ] فتعيّن أنّ ذكر البيان للتعظيم ، فإنّ البيان يجيء لما يجيء له النعت من توضيح ومدح ونحو ذلك . ووجه دلالة هذا العلم على التعظيم هو ما فيه من لمح معنى الوصف بالحرام قبل التغليب . وذكر البيت هنا لأنّ هذا الموصوف مع هذا الوصف صارا علما بالغلبة على الكعبة . والحرام في الأصل مصدر حرم إذا منع ، ومصدره الحرام ، كالصلاح من صلح ، فوصف شيء بحرام مبالغة في كونه ممنوعا . ومعنى وصف البيت بالحرام أنّه ممنوع من أيدي الجبابرة فهو محترم عظيم المهابة . وذلك يستتبع تحجير وقوع المظالم والفواحش فيه ، وقد تقدّم أنّه يقال رجل حرام عند قوله تعالى : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ في هذه السورة [ 1 ] ، وأنّه يقال : شهر حرام ، عند قوله تعالى : وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ [ المائدة : 2 ] فيها أيضا ، فيحمل هذا الوصف على ما يناسبه بحسب الموصوف الذي يجري عليه ،