الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

223

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهو في كلّ موصوف يدلّ على أنّه ممّا يتجنّب جانبه ، فيكون تجنّبه للتعظيم أو مهابته أو نحو ذلك ، فيكون وصف مدح ، ويكون تجنّبه للتنزّه عنه فيكون وصف ذمّ ، كما تقول : الخمر حرام . وقرأ الجمهور قِياماً - بألف بعد الياء - . وقرأه ابن عامر قيما - بدون ألف بعد الياء - . والقيام في الأصل مصدر قام إذا استقلّ على رجليه ، ويستعار للنشاط ، ويستعار من ذلك للتدبير والإصلاح ، لأنّ شأن من يعمل عملا مهمّا أن ينهض له ، كما تقدّم بيانه عند قوله تعالى : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ * في سورة البقرة [ 3 ] . ومن هذا الاستعمال قيل للناظر في أمور شيء وتدبيره : هو قيّم عليه أو قائم عليه ، فالقيام هنا بمعنى الصلاح والنفع . وأمّا قراءة ابن عامر قيما فهو مصدر ( قام ) على وزن فعل - بكسر ففتح - مثل شبع . وقد تقدّم أنّه أحد تأويلين في قوله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً في سورة النساء . وإنّما أعلّت واوه فصارت ياء لشدّة مناسبة الياء للكسرة . وهذا القلب نادر في المصادر التي على وزن فعل من الواوي العين . وإثباته للكعبة من الإخبار بالمصدر للمبالغة ، وهو إسناد مجازي ، لأنّ الكعبة لمّا جعلها اللّه سببا في أحكام شرعية سابقة كان بها صلاح أهل مكة وغيرهم من العرب وقامت بها مصالحهم ، جعلت الكعبة هي القائمة لهم لأنّها سبب القيام لهم . والناس هنا ناس معهودون ، فالتعريف للعهد . والمراد بهم العرب ، لأنّهم الذين انتفعوا بالكعبة وشعائرها دون غيرهم من الأمم كالفرس والروم . وأمّا ما يحصل لهؤلاء من منافع التجارة ونحوها من المعاملة فذلك تبع لوجود السّكان لا لكون البيت حراما ، إلّا إذا أريد التسبّب البعيد ، وهو أنّه لولا حرمة الكعبة وحرمة الأشهر في الحجّ لساد الخوف في تلك الربوع فلم تستطع الأمم التجارة هنالك . وإنّما كانت الكعبة قياما للناس لأنّ اللّه لمّا أمر إبراهيم بأن ينزل في مكة زوجه وابنه إسماعيل ، وأراد أن تكون نشأة العرب المستعربة ( وهم ذرية إسماعيل ) في ذلك المكان لينشئوا أمّة أصيلة الآراء عزيزة النفوس ثابتة القلوب ، لأنّه قدّر أن تكون تلك الأمّة هي أول من يتلقّى الدين الذي أراد أن يكون أفضل الأديان وأرسخها ، وأن يكون منه انبثاث الإيمان الحقّ والأخلاق الفاضلة . فأقام لهم بلدا بعيدا عن التعلّق بزخارف الحياة ؛ فنشئوا على إباء الضيم ، وتلقّوا سيرة صالحة نشئوا بها على توحيد اللّه تعالى والدعوة إليه ؛ وأقام