الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

216

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المفعول ، أي فالمجزي به المقتول مثل ما قتله الصائد . وقوله تعالى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ جملة في موضع الصفة لجزاء أو استئناف بياني ، أي يحكم بالجزاء ، أي بتعيينه . والمقصد من ذلك أنّه لا يبلغ كلّ أحد معرفة صفة المماثلة بين الصيد والنعم فوكل اللّه أمر ذلك إلى الحكمين . وعلى الصائد أن يبحث عمّن تحقّقت فيه صفة العدالة والمعرفة فيرفع الأمر إليهما . ويتعيّن عليهما أن يجيباه إلى ما سأل منهما وهما يعيّنان المثل ويخيّرانه بين أن يعطي المثل أو الطعام أو الصيام ، ويقدّران له ما هو قدر الطعام إن اختاره . وقد حكم من الصحابة في جزاء الصيد عمر مع عبد الرحمن بن عوف ، وحكم مع كعب بن مالك ، وحكم سعد بن أبي وقاص مع عبد الرحمن بن عوف ، وحكم عبد اللّه بن عمر مع ابن صفوان . ووصف ذَوا عَدْلٍ بقوله : مِنْكُمْ أي من المسلمين ، للتحذير من متابعة ما كان لأهل الجاهلية من عمل في صيد الحرم فلعلّهم يدّعون معرفة خاصّة بالجزاء . وقوله : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ حال من مِثْلُ ما قَتَلَ ، أو من الضمير في ( به ) . والهدي ما يذبح أو ينحر في منحر مكة . والمنحر : منى والمروة . ولما سمّاه اللّه تعالى هَدْياً فله سائر أحكام الهدي المعروفة . ومعنى بالِغَ الْكَعْبَةِ أنّه يذبح أو ينحر في حرم الكعبة ، وليس المراد أنّه ينحر أو يذبح حول الكعبة . وقوله : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ عطف على فَجَزاءٌ وسمّى الإطعام كفّارة لأنّه ليس بجزاء ، إذ الجزاء هو العوض ، وهو مأخوذ فيه المماثلة . وأمّا الإطعام فلا يماثل الصيد وإنّما هو كفارة تكفّر به الجريمة . وقد أجمل الكفارة فلم يبيّن مقدار الطعام ولا عدد المساكين . فأمّا مقدار الطعام فهو موكول إلى الحكمين ، وقد شاع عن العرب أنّ المدّ من الطعام هو طعام رجل واحد ، فلذلك قدّره مالك بمدّ لكلّ مسكين . وهو قول الأكثر من العلماء . وعن ابن عباس : تقدير الإطعام أن يقوّم الجزاء من النعم بقيمته دراهم ثم تقوّم الدراهم طعاما . وأمّا عدد المساكين فهو ملازم لعدد الأمداد . قال مالك : أحسن ما سمحت إليّ فيه أنه يقوّم الصيد الذي أصاب وينظر كم ثمن ذلك من الطعام ، فيطعم مدّا لكلّ مسكين . ومن العلماء من قدّر لكلّ حيوان معادلا من الطعام . فعن ابن عباس : تعديل الظبي بإطعام ستة مساكين ، والأيل بإطعام عشرين مسكينا ، وحمار الوحش بثلاثين ، والأحسن أنّ ذلك موكول إلى الحكمين .