الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
217
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و أَوْ في قوله أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ وقوله : أَوْ عَدْلُ ذلِكَ تقتضي تخيير قاتل الصيد في أحد الثلاثة المذكورة . وكذلك كل أمر وقع ب « أو » في القرآن فهو من الواجب المخيّر . والقول بالتخيير هو قول الجمهور ، ثم قيل : الخيار للمحكوم عليه لا للحكمين . وهو قول الجمهور من القائلين بالتخيير ، وقيل : الخيار للحكمين . وقال به الثوري ، وابن أبي ليلى ، والحسن . ومن العلماء من قال : إنّه لا ينتقل من الجزاء إلى كفّارة الطعام إلّا عند العجز عن الجزاء ، ولا ينتقل عن الكفّارة إلى الصوم إلّا عند العجز عن الإطعام ، فهي عندهم على الترتيب . ونسب لابن عباس . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر كَفَّارَةٌ - بالرفع بدون تنوين مضافا إلى طعام - كما قرأ فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ . والوجه فيه إمّا أن نجعله كوجه الرفع والإضافة في قوله تعالى : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ فنجعل كَفَّارَةٌ اسم مصدر عوضا عن الفعل وأضيف إلى فاعله ، أي يكفّره طعام مساكين ؛ وإمّا أن نجعله من الإضافة البيانية ، أي كفّارة من طعام ، كما يقال : ثوب خزّ ، فتكون الكفّارة بمعنى المكفّر به لتصحّ إضافة البيان ، فالكفّارة بيّنها الطعام ، أي لا كفّارة غيره فإنّ الكفّارة تقع بأنواع . وجزم بهذا الوجه في « الكشاف » ، وفيه تكلّف . وقرأه الباقون - بتنوين كَفَّارَةٌ ورفع طَعامُ على أنّه بدل من كَفَّارَةٌ . وقوله أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً عطف على كَفَّارَةٌ والإشارة إلى الطعام . والعدل - بفتح العين - ما عادل الشيء من غير جنسه . وأصل معنى العدل المساواة . وقال الراغب : إنّما يكون فيما يدرك بالبصيرة كما هنا . وأما العدل - بكسر العين - ففي المحسوسات كالموزونات والمكيلات ، وقيل : هما مترادفان . والإشارة بقوله : ذلِكَ إلى طَعامُ مَساكِينَ . وانتصب صِياماً على التمييز لأنّ في لفظ العدل معنى التقدير . وأجملت الآية الصيام كما أجملت الطعام ، وهو موكول إلى حكم الحكمين . وقال مالك والشافعي : يصوم عن كلّ مدّ من الطعام يوما . وقال أبو حنيفة : عن كلّ مدّين يوما ، واختلفوا في أقصى ما يصام ؛ فقال مالك والجمهور : لا ينقص عن أعداد الأمداد أياما ولو تجاوز شهرين ، وقال بعض أهل العلم : لا يزيد على شهرين لأنّ ذلك أعلى الكفارات . وعن ابن عباس : يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة . وقوله لِيَذُوقَ متعلّق بقوله فَجَزاءٌ ، واللّام للتعليل ، أي جعل ذلك جزاء عن قتله الصيد ليذوق وبال أمره . والذوق مستعار للإحساس بالكدر . شبّه ذلك الإحساس بذوق الطعم الكريه كأنهم