الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
187
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ممتنع في تمييز النسبة ، فتكون الآية منسوجة على منوال القلب للمبالغة ، قلب قول الناس المتعارف : فاض الدمع من عين فلان ، فقيل : أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ، فحرف ( من ) حرف ابتداء . وإذا أجري على قول نحاة الكوفة كانت ( من ) بيانية جارّة لاسم التمييز . وتعريف الدمع تعريف الجنس ، مثل : طبت النّفس . و ( من ) في قوله مِمَّا عَرَفُوا تعليلية ، أي سبب فيضها ما عرفوا عند سماع القرآن من أنّه الحقّ الموعود به . فمن قائمة مقام المفعول لأجله كما في قوله : تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً [ التوبة : 92 ] ، أي ففاضت أعينهم من انفعال البهجة بأن حضروا مشهد تصديق عيسى فيما بشّر به ، وأن حضروا الرسول الموعود به ففازوا بالفضيلتين . و ( من ) في قوله مِنَ الْحَقِّ بيانية . أي ممّا عرفوا ، وهو الحقّ الخاصّ . أو تبعيضية ، أي ممّا عرفوه وهو النبي الموعود به الذي خبره من جملة الحقّ الذي جاء به عيسى والنبيئون من قبله . وجملة يَقُولُونَ حال ، أي تفيض أعينهم في حال قولهم هذا . وهذا القول يجوز أن يكون علنا ، ويجوز أن يكون في خويصتهم . والمراد بالشاهدين الذين شهدوا بعثة الرسل وصدّقوهم . وهذه فضيلة عظيمة لم تحصل إلّا في أزمان ابتداء دعوة الرسل ولا تحصل بعد هذه المرّة . وتلك الفضيلة أنّها المبادرة بتصديق الرسل عند بعثتهم حين يكذبهم الناس بادئ الأمر . كما قال ورقة : يا ليتني أكون جذعا إذ يخرجك قومك . أي تكذيبا منهم . أو أرادوا فاكتبنا مع الشاهدين الذين أنبأهم عيسى - عليه السلام - ببعثة الرسول الذي يجيء بعده ، فيكونوا شهادة على مجيئه وشهادة بصدق عيسى . ففي إنجيل متّى عدد 24 من قول عيسى « ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلّون كثيرين ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص ويفوز ببشارة الملكوت هذه شهادة لجميع الأمم » . وفي إنجيل يوحنّا عدد 15 من قول عيسى « ومتى جاء المعزّى روح الحقّ الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضا لأنّكم معي من الابتداء » . وإنّ لكلمة الْحَقِّ وكلمة الشَّاهِدِينَ في هذه الآية موقعا لا تغني فيه غيرهما لأنّهما تشيران إلى ما في بشارة عيسى - عليه السلام - . وقوله : وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ ، هو من قولهم ، فيحتمل أنّهم يقولونه في أنفسهم عندما يخامرهم التردّد في أمر النزوع عن دينهم القديم إلى الدخول في الإسلام . وذلك التردّد يعرض للمعتقد عند الهمّ بالرجوع في اعتقاده وهو المسمّى بالنظر ؛