الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

188

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويحتمل أنّهم يقولونه لمن يعارضهم من أهل ملّتهم أو من إخوانهم ويشكّكهم فيما عزموا عليه ، ويحتمل أنّهم يقولونه لمن يعيّرهم من اليهود أو غيرهم بأنّهم لم يتصلّبوا في دينهم . فقد قيل : إنّ اليهود عيّروا النفر الذين أسلموا ، إذا صحّ خبر إسلامهم . وتقدّم القول في تركيب « ما لنا لا نفعل » عند قوله تعالى : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في سورة النساء [ 75 ] . وجملة وَنَطْمَعُ يجوز أن تكون معطوفة على جملة ما لَنا لا نُؤْمِنُ . ويحتمل أن تكون الواو للحال ، أي كيف نترك الإيمان بالحقّ وقد كنّا من قبل طامعين أن يجعلنا ربّنا مع القوم الصالحين مثل الحواريّين ، فكيف نفلت ما عنّ لنا من وسائل الحصول على هذه المنقبة الجليلة . ولا يصحّ جعلها معطوفة على جملة نُؤْمِنُ لئلا تكون معمولة للنفي ، إذ ليس المعنى على ما لنا لا نطمع ، لأنّ الطمع في الخير لا يتردّد فيه ولا يلام عليه حتّى يحتاج صاحبه إلى الاحتجاج لنفسه ب ( ما لنا لا نفعل ) . [ 85 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 85 ] فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) تفريع على قوله يَقُولُونَ : رَبَّنا آمَنَّا . . . [ المائدة : 83 ] إلى آخر الآية . ومعنى ( أثابهم ) أعطاهم الثواب . وقد تقدّم القول فيه عند تفسير قوله تعالى : لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ في سورة البقرة [ 103 ] . والباء في قوله بِما قالُوا للسببية . والمراد بالقول قول الصادق وهو المطابق للواقع ، فهو القول المطابق لاعتقاد القلب ، وما قالوه هو ما حكي بقوله تعالى : يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ . . . [ المائدة : 83 ] الآية . وأثاب يتعدّى إلى مفعولين على طريقة باب أعطى ، ف جَنَّاتٍ مفعوله الثاني ، وهو المعطى لهم . والإشارة في قوله وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ إلى الثواب المأخوذ من فَأَثابَهُمُ ولك أن تجعل الإشارة إلى المذكور وهو الجنّات وما بها من الأنهار وخلودهم فيها . وقد تقدّم نظير ذلك عند قوله تعالى في سورة البقرة [ 68 ] عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ . [ 86 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 86 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 ) هذا تتميم واحتراس ، أي والذين كفروا من النصارى وكذّبوا بالقرآن هم بضدّ الذين أثابهم اللّه جنّات تجري من تحتها الأنهار .