الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
181
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والاعتداء ، فقال : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ . وذلك أن شأن المناكر أن يبتدئها الواحد أنّ النّفر القليل ، فإذا لم يجدوا من يغيّر عليهم تزايدوا فيها ففشت واتّبع فيها الدّهماء بعضهم بعضا حتّى تعمّ وينسى كونها مناكر فلا يهتدي النّاس إلى الإقلاع عنها والتّوبة منها فتصيبهم لعنة اللّه . وقد روى التّرمذي وأبو داود من طرق عن عبد اللّه بن مسعود بألفاظ متقاربة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « كان الرجل من بني إسرائيل يلقى الرجل إذا رآه على الذنب فيقول : يا هذا اتّق اللّه ودع ما تصنع ، ثمّ يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وخليطه وشريكه ، فلما فعلوا ذلك ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ، ثمّ قرأ : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله : فاسِقُونَ [ المائدة : 78 - 81 ] ثمّ قال : والّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذنّ على يد الظّالم ولتأطرنّه على الحقّ أطرا أو ليضربنّ اللّه قلوب بعضكم على بعض أو ليلعنكم كما لعنهم » . وأطلق التناهي بصيغة المفاعلة على نهي بعضهم بعضا باعتبار مجموع الأمّة وأنّ ناهي فاعل المنكر منهم هو بصدد أن ينهاه المنهيّ عندما يرتكب هو منكرا فيحصل بذلك التّناهي . فالمفاعلة مقدّرة وليست حقيقيّة ، والقرينة عموم الضّمير في قوله فَعَلُوهُ ، فإنّ المنكر إنّما يفعله بعضهم ويسكت عليه البعض الآخر ؛ وربّما فعل البعض الآخر منكرا آخر وسكت عليه البعض الّذي كان فعل منكرا قبله وهكذا ، فهم يصانعون أنفسهم . والمراد ب ما كانُوا يَفْعَلُونَ تركهم التناهي . وأطلق على ترك التناهي لفظ الفعل في قوله لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ مع أنّه ترك ، لأنّ السكوت على المنكر لا يخلو من إظهار الرّضا به والمشاركة فيه . وفي هذا دليل للقائلين من أئمّة الكلام من الأشاعرة بأنّه لا تكليف إلّا بفعل ، وأنّ المكلّف به في النّهي فعل ، وهو الانتهاء ، أي الكفّ ، والكفّ فعل ، وقد سمّى اللّه الترك هنا فعلا . وقد أكّد فعل الذّم بإدخال لام القسم عليه للإقصاء في ذمّة . [ 80 ، 81 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 80 إلى 81 ] تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 80 ) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 81 ) استئناف ابتدائي ذكر به حال طائفة من اليهود كانوا في زمن الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم وأظهروا