الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

182

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الإسلام وهم معظم المنافقين وقد دلّ على ذلك قوله : يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، لأنّه لا يستغرب إلّا لكونه صادرا ممّن أظهروا الإسلام فهذا انتقال لشناعة المنافقين . والرؤية في قوله تَرى بصريّة ، والخطاب للرّسول . والمراد ب كَثِيراً مِنْهُمْ كثير من يهود المدينة ، بقرينة قوله تَرى ، وذلك أنّ كثيرا من اليهود بالمدينة أظهروا الإسلام نفاقا ، نظرا لإسلام جميع أهل المدينة من الأوس والخزرج فاستنكر اليهود أنفسهم فيها ، فتظاهروا بالإسلام ليكونوا عينا ليهود خيبر وقريظة والنضير . ومعنى يَتَوَلَّوْنَ يتّخذونهم أولياء . والمراد بالّذين كفروا مشركو مكّة ومن حول المدينة من الأعراب الذين بقوا على الشرك . ومن هؤلاء اليهود كعب بن الأشرف رئيس اليهود فإنّه كان مواليا لأهل مكّة وكان يغريهم بغزو المدينة . وقد تقدّم أنّهم المراد في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [ النساء : 51 ] . وقوله أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ( أن ) فيه مصدريّة دخلت على الفعل الماضي وهو جائز ، كما في « الكشاف » كقوله تعالى : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ [ الإسراء : 74 ] ، والمصدر المأخوذ هو المخصوص بالذمّ . والتّقدير : لبئس ما قدمت بهم أنفسهم سخط اللّه عليهم ، فسخط اللّه مذموم . وقد أفاد هذا المخصوص أنّ اللّه قد غضب عليهم غضبا خاصّا لموالاتهم الّذين كفروا ، وذلك غير مصرّح به في الكلام فهذا من إيجاز الحذف . ولك أن تجعل المراد بسخط اللّه هو اللّعنة الّتي في قوله : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ [ المائدة : 78 ] . وكون ذلك ممّا قدّمت لهم أنفسهم معلوم من الكلام السابق . وقوله : وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ إلخ الواو للحال من قوله : تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ باعتبار كون المراد بهم المتظاهرين بالإسلام بقرينة ما تقدّم ، فالمعنى : ولو كانوا يؤمنون إيمانا صادقا ما اتّخذوا المشركين أولياء . والمراد بالنّبيء محمّد صلى اللّه عليه وسلّم ، وبما أنزل إليه القرآن ، وذلك لأنّ النّبيء نهى المؤمنين عن موالاة المشركين ، والقرآن نهى عن ذلك في غير ما آية . وقد تقدّم في قوله : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 28 ] . وقد جعل موالاتهم للمشركين علامة على عدم إيمانهم بطريقة القياس الاستثنائي ، لأنّ المشركين أعداء الرّسول فموالاتهم لهم علامة على عدم الإيمان به . وقد تقدّم ذلك في سورة آل عمران . وقوله : وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ هو استثناء القياس ، أي ولكنّ كثيرا من بني