الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

180

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الملابس للسانه . وقد ورد في سفر الملوك وفي سفر المزامير أنّ داود لعن الّذين يبدّلون الدّين ، وجاء في المزمور الثّالث والخمسين « اللّه من السّماء أشرف على بني البشر لينظر هل من فاهم طالب اللّه كلّهم قد ارتدّوا معا فسدوا - ثم قال - أخزيتهم لأنّ اللّه قد وفضهم ليت من صهيون خلاص إسرائيل » وفي المزمور 109 « قد انفتح عليّ فم الشرّير وتكلّموا معي بلسان كذب أحاطوا بي وقاتلوني بلا سبب - ثمّ قال - ينظرون إليّ وينغضون رؤوسهم - ثمّ قال - أمّا هم فيلعنون وأمّا أنت فتبارك ، قاموا وخزوا أمّا عبدك فيفرح » ذلك أنّ بني إسرائيل كانوا قد ثاروا على داود مع ابنه ابشلوم . وكذلك لعنهم على لسان عيسى متكرّر في الأناجيل . و « ذلك » إشارة إلى اللّعن المأخوذ من لعن أو إلى الكلام السابق بتأويل المذكور . والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ؛ كأنّ سائلا يسأل عن موجب هذا اللّعن فأجيب بأنّه بسبب عصيانهم وعدوانهم ، أي لم يكن بلا سبب . وقد أفاد اسم الإشارة مع باء السّببيّة ومع وقوعه في جواب سؤال مقدّر أفاد مجموع ذلك مفاد القصر ، أي ليس لعنهم إلّا بسبب عصيانهم كما أشار إليه في « الكشاف » وليس في الكلام صيغة قصر ، فالحصر مأخوذ من مجموع الأمور الثّلاثة . وهذه النّكتة من غرر صاحب « الكشاف » . والمقصود من الحصر أن لا يضلّ النّاس في تعليل سبب اللّعن فربّما أسندوه إلى سبب غير ذلك على عادة الضّلّال في العناية بالسفاسف والتّفريط في المهمّات ، لأنّ التفطّن لأسباب العقوبة أوّل درجات التّوفيق . ومثل ذلك مثل البله من النّاس تصيبهم الأمراض المعضلة فيحسبونها من مسّ الجنّ أو من عين أصابتهم ويعرضون عن العلل والأسباب فلا يعالجونها بدوائها . و ( ما ) في قوله بِما عَصَوْا مصدريّة ، أي بعصيانهم وكونهم معتدين ، فعدل عن التّعبير بالمصدرين إلى التعبير بالفعلين مع ( ما ) المصدرية ليفيد الفعلان معنى تجدّد العصيان واستمرار الاعتداء منهم ، ولتفيد صيغة المضي أنّ ذلك أمر قديم فيهم ، وصيغة المضارع أنّه متكرّر الحدوث . فالعصيان هو مخالفة أوامر اللّه تعالى . والاعتداء هو إضرار الأنبياء . وإنّما عبّر في جانب العصيان بالماضي لأنّه تقرّر فلم يقبل الزّيادة ، وعبّر في جانب الاعتداء بالمضارع لأنّه مستمرّ ، فإنّهم اعتدوا على محمّد صلى اللّه عليه وسلّم بالتّكذيب والمنافقة ومحاولة الفتك والكيد . وجملة كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا لسؤال ينشأ عن قوله : ذلِكَ بِما عَصَوْا ، وهو أن يقال كيف تكون أمّة كلّها متمالئة على العصيان