الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

174

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ تذييل بثناء على اللّه بأنّه يغفر لمن تاب واستغفر ما سلف منه ، لأنّ غَفُورٌ رَحِيمٌ من أمثلة المبالغة يدلّان على شدّة الغفران وشدّة الرّحمة ، فهو وعد بأنّهم إن تابوا واستغفروه رفع عنهم العذاب برحمته وصفح عمّا سلف منهم بغفرانه . [ 75 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 75 ] مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 ) استئناف لتبيان وصف المسيح في نفس الأمر ووصف أمّه زيادة في إبطال معتقد النّصارى إلهيّة المسيح وإلهيّة أمّه ، إذ قد علم أنّ قولهم إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [ المائدة : 73 ] أرادوا به إلهيّة المسيح . وذلك معتقد جميع النّصارى . وفرّعت طائفة من النّصارى يلقّبون ( بالرّكوسيّة ) ( وهم أهل ملّة نصرانيّة صابئة ) على إلهية عيسى إلهيّة أمّه ولولا أنّ ذلك معتقدهم لما وقع التّعرض لوصف مريم ولا للاستدلال على بشريّتها بأنّهما كانا يأكلان الطّعام . فقوله : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قصر موصوف على صفة ، وهو قصر إضافي ، أي المسيح مقصور على صفة الرّسالة لا يتجاوزها إلى غيرها ، وهي الإلهيّة . فالقصر قصر قلب لردّ اعتقاد النّصارى أنّه اللّه . وقوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ صفة لرسول أريد بها أنّه مساو للرّسل الآخرين الّذين مضوا قبله ، وأنّه ليس بدعا في هذا الوصف ولا هو مختصّ فيه بخصوصيّة لم تكن لغيره في وصف الرّسالة ، فلا شبهة للّذين ادّعوا له الإلهيّة ، إذ لم يجئ بشيء زائد على ما جاءت به الرسل ، وما جرت على يديه إلّا معجزات كما جرت على أيدي رسل قبله ، وإن اختلفت صفاتها فقد تساوت في أنّها خوارق عادات وليس بعضها بأعجب من بعض ، فما كان إحياؤه الموتى بحقيق أن يوهم إلهيّته . وفي هذا نداء على غباوة القوم الّذين استدلّوا على إلهيّته بأنّه أحيا الموتى من الحيوان فإنّ موسى أحيا العصا وهي جماد فصارت حيّة . وجملة وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ معطوفة على جملة مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ . والقصد من وصفها بأنّها صدّيقة نفي أن يكون لها وصف أعلى من ذلك ، وهو وصف الإلهيّة ، لأنّ المقام لإبطال قول الّذين قالوا إنّ اللّه ثالث ثلاثة ، إذ جعلوا مريم الأقنوم الثالث . وهذا هو الّذي أشار إليه قول صاحب « الكشاف » إذ قال « أي وما أمّه إلّا صديقة »