الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

175

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مع أنّ الجملة لا تشتمل على صيغة حصر . وقد وجّهه العلامة التفتازانيّ في « شرح الكشّاف » بقوله : « الحصر الّذي أشار إليه مستفاد من المقام والعطف » ( أي من مجموع الأمرين ) . وفي قول التفتازانيّ : والعطف ، نظر . والصدّيقة صيغة مبالغة ، مثل شرّيب ومسّيك ، مبالغة في الشّرب والمسك ، ولقب امرئ القيس بالملك الضّلّيل ، لأنّه لم يهتد إلى ما يسترجع به ملك أبيه . والأصل في هذه الصيغة أن تكون مشتقّة من المجرّد الثّلاثي . فالمعنى المبالغة في وصفها بالصدق ، أي صدق وعد ربّها ، وهو ميثاق الإيمان وصدق وعد النّاس . كما وصف إسماعيل - عليه السّلام - بذلك في قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [ مريم : 54 ] . وقد لقّب يوسف بالصدّيق ، لأنّه صدق وعد ربّه في الكفّ عن المحرّمات مع توفر أسبابها . وقيل : أريد هنا وصفها بالمبالغة في التّصديق لقوله تعالى : وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها [ التحريم : 12 ] ، كما لقّب أبو بكر بالصدّيق لأنّه أوّل من صدّق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كما في قوله تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [ الزمر : 33 ] ، فيكون مشتقّا من المزيد . وقوله : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ جملة واقعة موقع الاستدلال على مفهوم القصر الّذي هو نفي إلهيّة المسيح وأمّه ، ولذلك فصلت عن الّتي قبلها لأن الدّليل بمنزلة البيان ، وقد استدلّ على بشريتهما بإثبات صفة من صفات البشر ، وهي أكل الطّعام . وإنّما اختيرت هذه الصّفة من بين صفات كثيرة لأنّها ظاهرة واضحة للنّاس ، ولأنّها أثبتتها الأناجيل ؛ فقد أثبتت أنّ مريم أكلت ثمر النخلة حين مخاضها ، وأنّ عيسى أكل مع الحواريين يوم الفصح خبزا وشرب خمرا ، وفي إنجيل لوقا إصحاح 22 « وقال لهم اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألّم لأنّي لا آكل منه بعد ، وفي الصبح إذ كان راجعا في المدينة جاع » . وقوله : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ استئناف للتعجيب من حال الّذين ادّعوا الإلهيّة لعيسى . والخطاب مراد به غير معيّن ، وهو كلّ من سمع الحجج السابقة . واستعمل الأمر بالنّظر في الأمر بالعلم لتشبيه العالم بالرأي والعلم بالرؤية في الوضوح والجلاء ، وقد تقدّمت نظائره . وقد أفاد ذلك معنى التعجيب . ويجوز أن يكون الخطاب للرّسول - عليه السّلام - . والمراد هو وأهل القرآن . و كَيْفَ اسم استفهام معلّق لفعل انْظُرْ عن العمل في مفعولين ، وهي موضع المفعول به ل انْظُرْ ، والمعنى انظر جواب هذا الاستفهام . وأريد مع الاستفهام التعجيب كناية ، أي انظر ذلك تجد جوابك أنّه بيان عظيم الجلاء يتعجّب النّاظر من وضوحه . والآيات جمع آية ، وهي العلامة على وجود