الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
173
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ عطف على جملة لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ، أي لقد كفروا كفرا إن لم ينتهوا عنه أصابهم عذاب أليم . ومعنى عَمَّا يَقُولُونَ أي عن قولهم المذكور آنفا وهو إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ . وقد جاء بالمضارع لأنّه المناسب للانتهاء إذ الانتهاء إنّما يكون عن شيء مستمرّ كما ناسب قوله قالُوا قوله لَقَدْ كَفَرَ ، لأنّ الكفر حصل بقولهم ذلك ابتداء من الزّمن الماضي . ومعنى عَمَّا يَقُولُونَ عمّا يعتقدون ، لأنّهم لو انتهوا عن القول باللّسان وأضمروا اعتقاده لما نفعهم ذلك ، فلمّا كان شأن القول لا يصدر إلّا عن اعتقاد كان صالحا لأن يكون كناية عن الاعتقاد مع معناه الصّريح . وأكّد الوعيد بلام القسم في قوله لَيَمَسَّنَّ ردّا لاعتقادهم أنّهم لا تمسّهم النّار ، لأنّ صلب عيسى كان كفّارة عن خطايا بني آدم . والمسّ مجاز في الإصابة ، لأنّ حقيقة المسّ وضع اليد على الجسم ، فاستعمل في الإصابة بجامع الاتّصال ، كقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [ الأنعام : 49 ] ، فهو دالّ على مطلق الإصابة من غير تقييد بشدّة أو ضعف ، وإنّما يرجع في الشدّة أو الضعف إلى القرينة ، مثل أَلِيمٌ هنا ، ومثل قوله بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * [ الأنعام : 49 ] في الآية الأخرى ، وقال يزيد بن الحكم الكلابي من شعراء الحماسة : مسسنا من الآباء شيئا وكلّنا * إلى حسب في قومه غير واضع أي تتبّعنا أصول آبائنا . والمراد ب الَّذِينَ كَفَرُوا عين المراد ب الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ فعدل عن التّعبير عنهم بضميرهم إلى الصّلة المقرّرة لمعنى كفرهم المذكور آنفا بقوله : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إلخ ، لقصد تكرير تسجيل كفرهم وليكون اسم الموصول مومئا إلى سبب الحكم المخبر به عنه . وعلى هذا يكون قوله مِنْهُمْ بيانا للّذين كفروا قصد منه الاحتراس عن أن يتوهّم السامع أنّ هذا وعيد لكفّار آخرين . ولمّا توعّدهم اللّه أعقب الوعيد بالترغيب في الهداية فقال : أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ . فالتّوبة هي الإقلاع عمّا هو عليه في المستقبل والرجوع إلى الاعتقاد الحقّ . والاستغفار طلب مغفرة ما سلف منهم في الماضي والنّدم عمّا فرط منهم من سوء الاعتقاد .