الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
172
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هي أمّ الكلمة أم هي أمّ اللّه . فقوله : ثالِثُ ثَلاثَةٍ معناه واحد من تلك الثّلاثة ، لأنّ العرب تصوغ من اسم العدد من اثنين إلى عشرة ، صيغة فاعل مضافا إلى اسم العدد المشتقّ هو منه لإرادة أنّه جزء من ذلك العدد نحو ثانِيَ اثْنَيْنِ [ التوبة : 40 ] ، فإن أرادوا أنّ المشتقّ له وزن فاعل هو الّذي أكمل العدد أضافوا وزن فاعل إلى اسم العدد الّذي هو أرقى منه فقالوا : رابع ثلاثة ، أي جاعل الثلاثة أربعة . وقوله : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ عطف على جملة لَقَدْ كَفَرَ لبيان الحقّ في الاعتقاد بعد ذكر الاعتقاد الباطل . ويجوز جعل الجملة حالا من ضمير قالُوا ، أي قالوا هذا القول في حال كونه مخالفا للواقع ، فيكون كالتّعليل لكفرهم في قولهم ذلك ، ومعناه على الوجهين نفي عن الإله الحقّ أن يكون غير واحد فإنّ ( من ) لتأكيد عموم النّفي فصار النّفي ب ما المقترنة بها مساويا للنّفي ب ( لا ) النّافية للجنس في الدلالة على نفي الجنس نصّا . وعدل هنا عن النّفي بلا التبرئة فلم يقل ( ولا إله إلّا إله واحد ) إلى قوله : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ اهتماما بإبراز حرف ( من ) الدالّ بعد النّفي على تحقيق النّفي ، فإنّ النّفي بحرف ( لا ) ما أفاد نفي الجنس إلّا بتقدير حرف ( من ) ، فلمّا قصدت زيادة الاهتمام بالنّفي هنا جيء بحرف ( ما ) النّافية وأظهر بعده حرف ( من ) . وهذا ممّا لم يتعرّض إليه أحد من المفسّرين . وقوله : إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ يفيد حصر وصف الإلهيّة في واحد فانتفى التثليث المحكي عنهم . وأمّا تعيين هذا الواحد من هو ، فليس مقصودا تعيينه هنا لأنّ القصد إبطال عقيدة التثليث فإذا بطل التثليث ، وثبتت الوحدانيّة تعيّن أنّ هذا الواحد هو اللّه تعالى لأنّه متّفق على إلهيّته ، فلمّا بطلت إلهيّة غيره معه تمحّضت الإلهيّة له فيكون قوله هنا وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ مساويا لقوله في سورة آل عمران [ 62 ] وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ ، إلّا أنّ ذكر اسم اللّه تقدّم هنا وتقدّم قول المبطلين ( إنّه ثالث ثلاثة ) فاستغني بإثبات الوحدانيّة عن تعيينه . ولهذا صرّح بتعيين الإله الواحد في سورة آل عمران [ 62 ] في قوله تعالى : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ إذ المقام اقتضى تعيين انحصار الإلهيّة في اللّه تعالى دون عيسى ولم يجر فيه ذكر لتعدّد الآلهة .