الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
160
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فاء الفصيحة على أنّهم ما بلغوا إلّا من جرّاء الحسد للرسول فحقيق أن لا يحزن لهم . والأسى الحزن والأسف ، وفعله كفرح . وذكر لفظ الْقَوْمِ وأتبع بوصف الْكافِرِينَ ليدلّ على أنّ المراد بالكافرين هم الّذين صار الكفر لهم سجيّة وصفة تتقوّم بها قوميتهم . ولو لم يذكر القوم وقال : ( فلا تأس على الكافرين ) لكان بمنزلة اللّقب لهم فلا يشعر بالتّوصيف ، فكان صادقا بمن كان الكفر غير راسخ فيه بل هو في حيرة وتردّد ، فذلك مرجوّ إيمانه . [ 69 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 69 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 ) موقع هذه الآية دقيق ، ومعناها أدقّ ، وإعرابها تابع لدقّة الأمرين . فموقعها أدقّ من موقع نظيرتها المتقدّمة في سورة البقرة [ 62 ] ، فلم يكن ما تقدّم من البيان في نظيرتها بمغن عن بيان ما يختصّ بموقع هذه . ومعناها يزيد دقّة على معنى نظيرتها تبعا لدقّة موقع هذه . وإعرابها يتعقّد إشكاله بوقوع قوله : وَالصَّابِئُونَ بحالة رفع بالواو في حين أنّه معطوف على اسم إِنَّ في ظاهر الكلام . فحقّ علينا أن نخصّها من البيان بما لم يسبق لنا مثله في نظيرتها ولنبدأ بموقعها فإنّه معقد معناها : فاعلم أنّ هذه الجملة يجوز أن تكون استئنافا بيانيا ناشئا على تقدير سؤال يخطر في نفس السامع لقوله : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [ المائدة : 68 ] فيسأل سائل عن حال من انقرضوا من أهل الكتاب قبل مجيء الإسلام : هل هم على شيء أو ليسوا على شيء ، وهل نفعهم اتّباع دينهم أيّامئذ ؛ فوقع قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا الآية جوابا لهذا السؤال المقدّر . والمراد بالّذين آمنوا المؤمنون باللّه وبمحمّد صلى اللّه عليه وسلّم أي المسلمون . وإنّما المقصود من الإخبار الّذين هادوا والصابون والنّصارى ، وأمّا التعرّض لذكر الّذين آمنوا فلاهتمام بهم سنبيّنه قريبا . ويجوز أن تكون هذه الجملة مؤكّدة لجملة وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا [ المائدة : 65 ] إلخ ، فبعد أن أتبعت تلك الجملة بما أتبعت به من الجمل عاد الكلام بما يفيد معنى تلك الجملة تأكيدا للوعد ، ووصلا لربط الكلام ، وليلحق بأهل الكتاب الصابئون ، وليظهر الاهتمام بذكر حال المسلمين في جنّات النّعيم .