الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
161
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فالتّصدير بذكر الّذين آمنوا في طالعة المعدودين إدماج للتنويه بالمسلمين في هذه المناسبة ، لأنّ المسلمين هم المثال الصّالح في كمال الإيمان والتحرّز عن الغرور وعن تسرّب مسارب الشرك إلى عقائدهم ( كما بشّر بذلك النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم في خطبة حجّة الوداع بقوله : « إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد من دون اللّه في أرضكم هذه » ) فكان المسلمون ، لأنّهم الأوحدون في الإيمان باللّه واليوم الآخر والعمل الصّالح ، أوّلين في هذا الفضل . وأمّا معنى الآية فافتتاحها بحرف إِنْ هنا للاهتمام بالخبر لعروّ المقام عن إرادة ردّ إنكار أو تردّد في الحكم أو تنزيل غير المتردّد منزلة المتردّد . وقد تحيّر النّاظرون في الإخبار عن جميع المذكورين بقوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، إذ من جملة المذكورين المؤمنون ، وهل الإيمان إلّا باللّه واليوم الآخر ؟ وذهب النّاظرون في تأويله مذاهب : فقيل : أريد بالّذين آمنوا من آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم ، وهم المنافقون ، وقيل : أريد بمن آمن من دام على إيمانه ولم يرتد . وقيل : غير ذلك . والوجه عندي أنّ المراد بالّذين آمنوا أصحاب الوصف المعروف بالإيمان واشتهر به المسلمون ، ولا يكون إلّا بالقلب واللّسان لأنّ هذا الكلام وعد بجزاء اللّه تعالى ، فهو راجع إلى علم اللّه ، واللّه يعلم المؤمن الحقّ والمتظاهر بالإيمان نفاقا . فالّذي أراه أن يجعل خبر ( إنّ ) محذوفا . وحذف خبر ( إنّ ) وارد في الكلام الفصيح غير قليل ، كما ذكر سيبويه في « كتابه » . وقد دلّ على الخبر ما ذكر بعده من قوله : فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ « 1 » إلخ . ويكون قوله : وَالَّذِينَ هادُوا عطف جملة على جملة ، فيجعل الَّذِينَ هادُوا مبتدأ ، ولذلك حقّ رفع ما عطف عليه ، وهو وَالصَّابِئُونَ . وهذا أولى من جعل وَالصَّابِئُونَ مبدأ الجملة وتقدير خبر له ، أي والصابون كذلك ، كما ذهب إليه الأكثرون لأنّ ذلك يفضي إلى اختلاف المتعاطفات في الحكم وتشتيتها مع إمكان التفصّي عن ذلك ، ويكون قوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ مبتدأ ثانيا ، وتكون ( من ) موصولة ، والرّابط للجملة بالّتي قبلها محذوفا ، أي من آمن منهم ، وجملة فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ « 2 » خبرا عن ( من ) الموصولة ، واقترانها بالفاء لأنّ الموصول شبيه بالشرط . وذلك كثير في الكلام ، كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ [ البروج : 10 ] الآية ، ووجود الفاء فيه يعيّن كونه خبرا عن ( من ) الموصولة وليس خبر - إنّ -
--> ( 1 ، 2 ) في المطبوعة فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ * الموافقة ل [ البقرة : 62 ] والمثبت هو المقصود واللّه أعلم .