الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

151

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إنّ موضع هذه الآية في هذه السورة معضل ، فإنّ سورة المائدة من آخر السور نزولا إن لم تكن آخرها نزولا ، وقد بلّغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم الشريعة وجميع ما أنزل إليه إلى يوم نزولها ، فلو أنّ هذه الآية نزلت في أوّل مدّة البعثة لقلنا هي تثبيت للرسول وتخفيف لأعباء الوحي عنه ، كما أنزل قوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [ الحجرات : 94 ، 95 ] وقوله : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا - إلى قوله - وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [ المزمل : 5 - 10 ] الآيات ، فأمّا وهذه السورة من آخر السور نزولا وقد أدّى رسول اللّه الرسالة وأكمل الدّين فليس في الحال ما يقتضي أن يؤمر بتبليغ ، فنحن إذن بين احتمالين : أحدهما : أن تكون هذه الآية نزلت بسبب خاصّ اقتضى إعادة تثبيت الرسول على تبليغ شيء ممّا يثقل عليه تبليغه . وثانيهما : أن تكون هذه الآية نزلت من قبل نزول هذه السورة ، وهو الّذي تواطأت عليه أخبار في سبب نزولها . فأمّا هذا الاحتمال الثّاني فلا ينبغي اعتباره لاقتضائه أن تكون هذه الآية بقيت سنين غير ملحقة بسورة ، ولا جائز أن تكون مقروءة بمفردها ، وبذلك تندحض جميع الأخبار الواردة في أسباب النزول الّتي تذكر حوادث كلّها حصلت في أزمان قبل زمن نزول هذه السورة . وقد ذكر الفخر عشرة أقوال في ذلك ، وذكر الطبري خبرين آخرين ، فصارت اثني عشر قولا . وقال الفخر بعد أن ذكر عشرة الأقوال : إنّ هذه الروايات وإن كثرت فإنّ الأولى حمل الآية على أنّ اللّه آمنه مكر اليهود والنّصارى ، لأنّ ما قبلها وما بعدها كان كلاما مع اليهود والنّصارى فامتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين فتكون أجنبية عمّا قبلها وما بعدها اه . وأمّا ما ورد في الصّحيح أنّ رسول اللّه كان يحرس حتّى نزل وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فلا يدلّ على أنّ جميع هذه الآية نزلت يومئذ ، بل اقتصر الراوي على جزء منها ، وهو قوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فلعلّ الّذي حدّثت به عائشة أنّ اللّه أخبر رسوله بأنّه عصمه من النّاس فلمّا حكاه الراوي حكاه باللّفظ الواقع في هذه الآية . فتعيّن التعويل على الاحتمال الأوّل : فإمّا أن يكون سبب نزولها قضية ممّا جرى