الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

152

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ذكره في هذه السورة ، فهي على وتيرة قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [ المائدة : 41 ] وقوله : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [ المائدة : 49 ] فكما كانت تلك الآية في وصف حال المنافقين تليت بهذه الآية لوصف حال أهل الكتاب . والفريقان متظاهران على الرسول صلى اللّه عليه وسلّم : فريق مجاهر ، وفريق متستر ، فعاد الخطاب للرسول ثانية بتثبيت قلبه وشرح صدره بأن يدوم على تبليغ الشريعة ويجهد في ذلك ولا يكترث بالطاعنين من أهل الكتاب والكفّار ، إذ كان نزول هذه السورة في آخر مدّة النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم لأنّ اللّه دائم على عصمته من أعدائه وهم الّذين هوّن أمرهم في قوله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [ المائدة : 41 ] فهم المعنيّون من النَّاسِ في هذه الآية ، فالمأمور بتبليغه بعض خاصّ من القرآن . وقد علم من خلق النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم أنّه يحبّ الرفق في الأمور ويقول : إنّ اللّه رفيق يحبّ الرفق في الأمر كلّه ( كما جاء في حديث عائشة حين سلّم اليهود عليه فقالوا : السام عليكم ، وقالت عائشة لهم : السام عليكم واللّعنة ) ، فلمّا أمره اللّه أن يقول لأهل الكتاب وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [ المائدة : 59 ، 60 ] الآية ، وكان ذلك القول مجاهرة لهم بسوء أعلمه اللّه بأنّ هذا لا رفق فيه فلا يدخل فيما كان يعاملهم به من المجادلة بالّتي هي أحسن ، فتكون هذه الآية مخصّصة لما في حديث عائشة وتدخل في الاستثناء الّذي في قوله تعالى : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [ النساء : 148 ] . ولذلك أعيد افتتاح الخطاب له بوصف الرسول المشعر بمنتهى شرفه ، إذ كان واسطة بين اللّه وخلقه ، والمذكّر له بالإعراض عمّن سوى من أرسله . ولهذا الوصف في هذا الخطاب الثّاني موقع زائد على موقعه في الخطاب الأول ، وهو ما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الكلام الآتي بعده ، وهو قوله : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ، كما قال تعالى : ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ * [ المائدة : 99 ] . فكما ثبّت جنانه بالخطاب الأوّل أن لا يهتمّ بمكائد أعدائه ، حذّر بالخطاب الثّاني من ملاينتهم في إبلاغهم قوارع القرآن ، أو من خشيته إعراضهم عنه إذا أنزل من القرآن في شأنهم ، إذ لعلّه يزيدهم عنادا وكفرا ، كما دلّ عليه قوله في آخر هذه الآية وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [ المائدة : 68 ] . ثم عقّب ذلك أيضا بتثبيت جنانه بأن لا يهتمّ بكيدهم بقوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ