الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

14

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الصيد للمحرم هنا لمناسبة كونه مستثنى من بهيمة الأنعام في حال خاصّ ، فذكر هنا لأنّه تحريم عارض غير ذاتيّ ، ولولا ذلك لكان موضع ذكره مع الممنوعات المتعلّقة بحكم الحرم والإحرام عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [ المائدة : 2 ] الآية . والصيد يجوز أن يكون هنا مصدرا على أصله ، وأن يكون مطلقا على اسم المفعول : كالخلق على المخلوق ، وهو إطلاق شائع أشهر من إطلاقه على معناه الأصليّ ، وهو الأنسب هنا لتكون مواقعه في القرآن على وتيرة واحدة ، فيكون التقدير : غير محلي إصابة لصيد . والصيد بمعنى المصدر : إمساك الحيوان الذي لا يألف ، باليد أو بوسيلة ممسكة ، أو جارحة : كالشباك ، والحبائل ، والرماح ، والسهام ، والكلاب ، والبزاة ؛ وبمعنى المفعول هو المصيد . وانتصب غَيْرَ على الحال من الضمير المجرور في قوله : لَكُمْ . وجملة وَأَنْتُمْ حُرُمٌ في موضع الحال من ضمير ( محلّي ) ، وهذا نسج بديع في نظم الكلام استفيد منه إباحة وتحريم : فالإباحة في حال عدم الإحرام ، والتحريم له في حال الإحرام . وجملة إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ تعليل لقوله : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، أي لا يصرفكم عن الإيفاء بالعقود أن يكون فيما شرعه اللّه لكم شيء من ثقل عليكم ، لأنّكم عاقدتم على عدم العصيان ، وعلى السمع والطاعة للّه ، واللّه يحكم ما يريد لا ما تريدون أنتم . والمعنى أنّ اللّه أعلم بصالحكم منكم . وذكر ابن عطية : أنّ النقّاش حكى : أنّ أصحاب الكندي قالوا له : « أيّها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن ، قال : نعم أعمل لكم مثل بعضه ، فاحتجب عنهم أيّاما ثمّ خرج فقال : واللّه ما أقدر عليه . ولا يطيق هذا أحد ، إنّي فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونهى عن النكث وحلّل تحليلا عامّا ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أحد أن يأتي بهذا إلّا في أجلاد » - جمع جلد أي أسفار - . [ 2 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 2 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 2 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ