الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
15
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً . اعتراض بين الجمل التي قبله وبين جملة وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا . ولذلك أعيد الخطاب بالنداء بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . وتوجيه الخطاب إلى الذين آمنوا مع أنّهم لا يظنّ بهم إحلال المحرّمات ، يدلّ على أنّ المقصود النهي عن الاعتداء على الشعائر الإلهية التي يأتيها المشركون كما يأتيها المسلمون . ومعنى لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ لا تحلّوا المحرّم منها بين الناس ، بقرينة قوله : لا تُحِلُّوا ، فالتقدير : لا تحلّوا محرّم شعائر اللّه ، كما قال تعالى : في إحلال الشهر الحرام بعمل النسيء فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ [ التوبة : 37 ] ؛ وإلّا فمن شعائر اللّه ما هو حلال كالحلق ، ومنها ما هو واجب . والمحرّمات معلومة . والشعائر : جمع شعيرة . وقد تقدّم تفسيرها عند قوله تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [ البقرة : 158 ] . وقد كانت الشعائر كلّها معروفة لديهم ، فلذلك عدل عن عدّها هنا . وهي أمكنة ، وأزمنة ، وذوات ؛ فالصفا ، والمروة ، والمشعر الحرام ، من الأمكنة . وقد مضت في سورة البقرة . والشهر الحرام من الشعائر الزمانية ، والهدي والقلائد من الشعائر الذوات . فعطف الشهر الحرام والهدي وما بعدهما من شعائر اللّه عطف الجزئيّ على كلّيّة للاهتمام به ، والمراد به جنس الشهر الحرام ، لأنّه في سياق النفي ، أي الأشهر الحرم الأربعة التي في قوله تعالى : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ . . . فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [ التوبة : 36 ] . فالتعريف تعريف الجنس ، وهو كالنكرة يستوي فيه المفرد والجمع . وقال ابن عطيّة : الأظهر أنّه أريد رجب خاصّة ليشتدّ أمر تحريمه إذ كانت العرب غير مجمعة عليه ، فإنّما خصّ بالنهي عن إحلاله إذ لم يكن جميع العرب يحرّمونه ، فلذلك كان يعرف برجب مضر ؛ فلم تكن ربيعة ولا إياد ولا أنمار يحرّمونه . وكان يقال له : شهر بني أميّة أيضا ، لأنّ قريشا حرّموه قبل جميع العرب فتبعتهم مضر كلّها لقول عوف بن الأحوص : وشهر بني أميّة والهدايا * إذا حبست مضرّجها الدقاء وعلى هذا يكون التعريف للعهد فلا يعمّ . والأظهر أنّ التعريف للجنس ، كما قدّمناه . والهدي : هو ما يهدي إلى مناسك الحجّ لينحر في المنحر من منى ، أو بالمروة ، من الأنعام .