الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

138

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

جملة إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلى آخرها متّصلة بجملة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ المائدة : 51 ] وما تفرّع عليها من قوله فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ - إلى قوله - فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ [ المائدة : 52 ، 53 ] . وقعت جملة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [ المائدة : 54 ] بين الآيات معترضة ، ثمّ اتّصل الكلام بجملة إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . فموقع هذه الجملة موقع التّعليل للنّهي ، لأنّ ولايتهم للّه ورسوله مقرّرة عندهم فمن كان اللّه وليّه لا تكون أعداء اللّه أولياءه . وتفيد هذه الجملة تأكيدا للنّهي عن ولاية اليهود والنّصارى . وفيه تنويه بالمؤمنين بأنّهم أولياء اللّه ورسوله بطريقة تأكيد النّفي أو النّهي بالأمر بضدّه ، لأنّ قوله : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يتضمّن أمرا بتقرير هذه الولاية ودوامها ، فهو خبر مستعمل في معنى الأمر ، والقصر المستفاد من ( إنّما ) قصر صفة على موصوف قصرا حقيقيا . ومعنى كون الّذين آمنوا أولياء للّذين آمنوا أنّ المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، كقوله تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ التوبة : 71 ] . وإجراء صفتي يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ على الذين آمنوا للثناء عليهم ، وكذلك جملة وَهُمْ راكِعُونَ . وقوله : وَهُمْ راكِعُونَ معطوف على الصفة . وظاهر معنى هذه الجملة أنّها عين معنى قوله : يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، إذ المراد ب راكِعُونَ مصلّون لا آتون بالجزء من الصلاة المسمّى بالركوع . فوجه هذا العطف : إمّا بأنّ المراد بالركوع ركوع النّوافل ، أي الّذين يقيمون الصّلوات الخمس المفروضة ويتقرّبون بالنوافل ؛ وإمّا المراد به ما تدلّ عليه الجملة الاسميّة من الدوام والثّبات ، أي الّذين يديمون إقامة الصّلاة . وعقّبه بأنّهم يؤتون الزّكاة مبادرة بالتنويه بالزّكاة ، كما هو دأب القرآن . وهو الّذي استنبطه أبو بكر - رضي اللّه عنه - إذ قال : « لأقاتلنّ من فرّق بين الصّلاة والزّكاة » . ثم أثنى اللّه عليهم بأنّهم لا يتخلّفون عن أداء الصّلاة ؛ فالواو عاطفة صفة على صفة ، ويجوز أن تجعل الجملة حالا . ويراد بالركوع الخشوع . ومن المفسّرين من جعل وَهُمْ راكِعُونَ حالا من ضمير يُؤْتُونَ الزَّكاةَ . وليس فيه معنى ، إذ تؤتى الزّكاة في حالة الركوع ، وركّبوا هذا المعنى على خبر تعدّدت رواياته وكلّها ضعيفة . قال ابن كثير : وليس يصحّ شيء منها بالكلّية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها . وقال ابن عطيّة : وفي هذا القول ، أي الرواية ، نظر ، قال : روى الحاكم وابن مردويه : جاء ابن سلام ( أي عبد اللّه ) ونفر من قومه الّذين آمنوا ( أي من اليهود ) فشكوا