الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

139

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للرّسول صلى اللّه عليه وسلّم بعد منازلهم ومنابذة اليهود لهم فنزلت إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ثمّ إنّ الرسول خرج إلى المسجد فبصر بسائل ، فقال له : هل أعطاك أحد شيئا ، فقال : نعم خاتم فضّة أعطانيه ذلك القائم يصلّي ، وأشار إلى عليّ ، فكبّر النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ، ونزلت هذه الآية ، فتلاها رسول اللّه . وقيل : نزلت في أبي بكر الصديق . وقيل : نزلت في المهاجرين والأنصار . وقوله : فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ دليل على جواب الشرط بذكر علّة الجواب كأنّه قيل : فهم الغالبون لأنّهم حزب اللّه . [ 57 ، 58 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 57 إلى 58 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 57 ) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 ) استئناف هو تأكيد لبعض مضمون الكلام الّذي قبله ، فإنّ قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [ المائدة : 51 ] تحذير من موالاة أهل الكتاب ليظهر تميّز المسلمين . وهذه الآية تحذير من موالاة اليهود والمشركين الّذين بالمدينة ، ولا مدخل للنصارى فيها ، إذ لم يكن في المدينة نصارى فيهزءوا بالدّين . وقد عدل عن لفظ اليهود إلى الموصول والصلة وهي الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً إلخ لما في الصلة من الإيمان إلى تعليل موجب النّهي . والدّين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة ، فهو عنوان عقل المتديّن وروائد آماله وباعث أعماله ، فالذي يتخذ دين امرئ هزؤا فقد اتّخذ ذلك المتديّن هزؤا ورمقه بعين الاحتقار ، إذ عدّ أعظم شيء عنده سخرية ، فما دون ذلك أولى . والّذي يرمق بهذا الاعتبار ليس جديرا بالموالاة ، لأنّ شرط الموالاة التماثل في التّفكير ، ولأنّ الاستهزاء والاستخفاف احتقار ، والمودّة تستدعي تعظيم الودود . وأريد بالكفار في قوله : وَالْكُفَّارَ المشركون ، وهذا اصطلاح القرآن في إطلاق لفظ الكفّار ، والمراد بذلك المشركون من أهل المدينة الّذين أظهروا الإسلام نفاقا مثل رفاعة بن زيد ، وسويد بن الحارث ، فقد كان بعض المسلمين يوادّهما اغترارا بظاهر حالهما . روي عن ابن عبّاس : أنّ قوما من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم . وقال الكلبي : كانوا إذا نادى منادي رسول اللّه قالوا : صياح مثل صياح العير ،