الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

137

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حليم إذا ما الحلم زيّن أهله * مع الحلم في عين العدوّ مهيب وقال تعالى : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] . وقوله : يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صفة ثالثة ، وهي من أكبر العلامات الدالّة على صدق الإيمان . والجهاد : إظهار الجهد ، أي الطاقة في دفاع العدوّ ، ونهاية الجهد التّعرّض للقتل ، ولذلك جيء به على صيغة مصدر فاعل لأنّه يظهر جهده لمن يظهر له مثله . وقوله : وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ صفة رابعة ، وهي عدم الخوف من الملامة ، أي في أمر الدّين ، كما هو السياق . واللومة الواحدة من اللّوم . وأريد بها هنا مطلق المصدر ، كاللّوم لأنّها لمّا وقعت في سياق النّفي فعمّت زال منها معنى الواحدة كما يزول معنى الجمع في الجمع المعمّم بدخول ال الجنسية لأنّ ( لا ) في عموم النّفي مثل ( ال ) في عموم الإثبات ، أي لا يخافون جميع أنواع اللّوم من جميع اللّائمين إذ اللّوم منه : شديد ، كالتقريع ، وخفيف ؛ واللائمون : منهم اللّائم المخيف ، والحبيب ؛ فنفى عنهم خوف جميع أنواع اللّوم . ففي الجملة ثلاثة عمومات : عموم الفعل في سياق النّفي ، وعموم المفعول ، وعموم المضاف إليه . وهذا الوصف علامة على صدق إيمانهم حتّى خالط قلوبهم بحيث لا يصرفهم عنه شيء من الإغراء واللوم لأنّ الانصياع للملام آية ضعف اليقين والعزيمة . ولم يزل الإعراض عن ملام اللائمين علامة على الثّقة بالنّفس وأصالة الرأي . وقد عدّ فقهاؤنا في وصف القاضي أن يكون مستخفّا باللّائمة على أحد تأويلين في عبارة المتقدّمين ، واحتمال التّأويلين دليل على اعتبار كليهما شرعا . وجملة ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ تذييل . واسم الإشارة إشارة إلى مجموع صفات الكمال المذكورة . و واسِعٌ وصف بالسعة ، أي عدم نهاية التّعلّق بصفاته ذات التّعلق ، وتقدّم بيانه عند قوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ في سورة آل عمران [ 73 ] . [ 55 ، 56 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 55 إلى 56 ] إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ( 55 ) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ ( 56 )