الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
120
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقال مهلهل حين قتل بجيرا : « بؤ بشسع نعل كليب » والبواء : الكفاء . وقد عدّت الآية في القصاص أشياء تكثر إصابتها في الخصومات لأنّ الرّأس قد حواها وإنّما يقصد القاتل الرأس ابتداء . وقوله : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ هو من بقية ما أخبر به عن بني إسرائيل ، فالمراد ب فَمَنْ تَصَدَّقَ من تصدّق منهم ، وضمير بِهِ عائد إلى ما دلّت عليه باء العوض في قوله بِالنَّفْسِ إلخ ، أي من تصدّق بالحقّ الذي له ، أي تنازل عن العوض . وضمير لَهُ عائد إلى فَمَنْ تَصَدَّقَ . والمراد من التصدّق العفو ، لأنّ العفو لمّا كان عن حقّ ثابت بيد مستحقّ الأخذ بالقصاص جعل إسقاطه كالعطيّة ليشير إلى فرط ثوابه ، وبذلك يتبيّن أن معنى كَفَّارَةٌ لَهُ أنّه يكفّر عنه ذنوبا عظيمة ، لأجل ما في هذا العفو من جلب القلوب وإزالة الإحن واستبقاء نفوس وأعضاء الأمّة . وعاد فحذّر من مخالفة حكم اللّه فقال : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لينبّه على أنّ التّرغيب في العفو لا يقتضي الاستخفاف بالحكم وإبطال العمل به لأنّ حكم القصاص شرع لحكم عظيمة : منها الزجر ، ومنها جبر خاطر المعتدى عليه ، ومنها التفادي من ترصّد المعتدى عليهم للانتقام من المعتدين أو من أقوامهم . فإبطال الحكم بالقصاص يعطّل هذه المصالح ، وهو ظلم ، لأنّه غمص لحقّ المعتدى عليه أو وليّه . وأمّا العفو عن الجاني فيحقّق جميع المصالح ويزيد مصلحة التحابب لأنّه عن طيب نفس ، وقد تغشى غباوة حكّام بني إسرائيل على أفهامهم فيجعلوا إبطال الحكم بمنزلة العفو ، فهذا وجه إعادة التّحذير عقب استحباب العفو . ولم ينبّه عليه المفسّرون . وبه يتعيّن رجوع هذا التّحذير إلى بني إسرائيل مثل سابقه . وقوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ القول فيه كالقول في نظيره المتقدّم . والمراد بالظّالمين الكافرون لأنّ الظلم يطلق على الكفر فيكون هذا مؤكّدا للّذي في الآية السابقة . ويحتمل أنّ المراد به الجور فيكون إثبات وصف الظلم لزيادة التشنيع عليهم في كفرهم لأنّهم كافرون ظالمون . [ 46 ، 47 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 46 إلى 47 ] وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 ) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 47 )