الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
121
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عطف على جملة إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [ المائدة : 44 ] انتقالا إلى أحوال النّصارى لقوله : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ، ولبيان نوع آخر من أنواع إعراض اليهود عن الأحكام الّتي كتبها اللّه عليهم ، فبعد أن ذكر نوعين راجعين إلى تحريفهم أحكام التّوراة : أحدهما : ما حرّفوه وتردّدوا فيه بعد أن حرّفوه فشكّوا في آخر الأمر والتجئوا إلى تحكيم الرّسول ؛ وثانيهما : ما حرّفوه وأعرضوا عن حكمه ولم يتحرّجوا منه وهو إبطال أحكام القصاص . وهذا نوع ثالث : وهو إعراضهم عن حكم اللّه بالكليّة ، وذلك بتكذيبهم لما جاء به عيسى - عليه السلام - . والتقفية مصدر قفّاه إذا جعله يقفوه ، أي يأتي بعده . وفعله المجرّد قفا - بتخفيف الفاء - ومعنى قفاه سار نحو قفاه ، والقفا الظهر ، أي سار وراءه . فالتقفية الاتباع مشتقّة من القفا ، ونظيره : توجّه مشتقّا من الوجه ، وتعقّب من العقب . وفعل قفّى المشدّد مضاعف قفا المخفّف ، والأصل في التضعيف أن يفيد تعدية الفعل إلى مفعول لم يكن متعدّيا إليه ، فإذا جعل تضعيف قَفَّيْنا هنا معدّيا للفعل اقتضى مفعولين : أوّلهما : الّذي كان مفعولا قبل التّضعيف ، وثانيهما : الّذي عدّي إليه الفعل ، وذلك على طريقة باب كسا ؛ فيكون حقّ التّركيب : وقفّيناهم عيسى ابن مريم ، ويكون إدخال الباء في بِعِيسَى للتّأكيد ، مثل وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] ، وإذا جعل التّضعيف لغير التّعدية بل لمجرّد تكرير وقوع الفعل ، مثل جوّلت وطوّفت كان حقّ التّركيب : وقفّيناهم بعيسى ابن مريم . وعلى الوجه الثّاني جرى كلام « الكشاف » فجعل باء بِعِيسَى للتعدية . وعلى كلا الوجهين يكون مفعول قَفَّيْنا محذوفا يدلّ عليه قوله عَلى آثارِهِمْ لأنّ فيه ضمير المفعول المحذوف ، هذا تحقيق كلامه وسلّمه أصحاب حواشيه . وقوله عَلى آثارِهِمْ تأكيد لمدلول فعل قَفَّيْنا وإفادة سرعة التقفية . وضمير آثارِهِمْ للنّبيين والرّبانيين والأحبار . وقد أرسل عيسى على عقب زكرياء كافل أمّه مريم ووالد يحيى . ويجوز أن يكون معنى عَلى آثارِهِمْ على طريقتهم وهديهم . والمصدّق : المخبر بتصديق مخبر ، وأريد به هنا المؤيّد المقرّر للتّوراة . وجعلها بَيْنَ يَدَيْهِ لأنّها تقدّمته ، والمتقدّم يقال : هو بين يدي من تقدّم . و مِنَ التَّوْراةِ بيان لِما . وتقدّم الكلام على معنى التّوراة والإنجيل في أوّل سورة آل عمران .