الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
113
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لمّا وصف التّوراة بأنّ فيها حكم اللّه استأنف ثناء عليها وعلى الحاكمين بها . ووصفها بالنزول ليدلّ على أنّها وحي من اللّه ، فاستعير النّزول لبلوغ الوحي لأنّه بلوغ شيء من لدن عظيم ، والعظيم يتخيّل عاليا ، كما تقدّم غير مرّة . والنّور استعارة للبيان والحقّ ، ولذلك عطف على الهدى ، فأحكامها هادية وواضحة ، والظرفية . حقيقية ، والهدى والنّور دلائلهما . ولك أن تجعل النّور هنا مستعارا للإيمان والحكمة ، كقوله : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ * [ البقرة : 132 ] ، فيكون بينه وبين الهدى عموم وخصوص مطلق ، فالنّور أعمّ ، والعطف لأجل تلك المغايرة بالعموم . والمراد بالنبيين فيجوز أنّهم أنبياء بني إسرائيل ، موسى والأنبياء الّذين جاءوا من بعده . فالمراد بالّذين أسلموا الّذين كان شرعهم الخاصّ بهم كشرع الإسلام سواء ، لأنّهم كانوا مخصوصين بأحكام غير أحكام عموم أمّتهم بل هي مماثلة للإسلام ، وهي الحنيفية الحقّ ، إذ لا شكّ أنّ الأنبياء كانوا على أكمل حال من العبادة والمعاملة ، ألا ترى أنّ الخمر ما كانت محرّمة في شريعة قبل الإسلام ومع ذلك ما شربها الأنبياء قط ، بل حرّمتها التّوراة على كاهن بني إسرائيل فما ظنّك بالنّبيء . ولعلّ هذا هو المراد من وصيّة إبراهيم لبنيه بقوله : فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 132 ] كما تقدّم هنالك . وقد قال يوسف - عليه السّلام - في دعائه : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يوسف : 101 ] . والمقصود من الوصف بقوله : الَّذِينَ أَسْلَمُوا على هذا الوجه الإشارة إلى شرف الإسلام وفضله إذ كان دين الأنبياء . ويجوز أن يراد بالنبيئين محمد صلى اللّه عليه وسلّم وعبّر عنه بصيغة الجمع تعظيما له . واللام في قوله : لِلَّذِينَ هادُوا للأجل وليست لتعدية فعل يَحْكُمُ إذ الحكم في الحقيقة لهم وعليهم . والّذين هادوا هم اليهود ، وهو اسم يرادف معنى الإسرائيليين ، إلّا أنّ أصله يختصّ ببني يهوذا منهم ، فغلب عليهم من بعد ، كما قدّمناه عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ الآية في سورة البقرة [ 62 ] . والرّبّانيون جمع ربّاني ، وهو العالم المنسوب إلى الربّ ، أي إلى اللّه تعالى . فعلى هذا يكون الربّاني نسبا للربّ على غير قياس ، كما قالوا : شعراني لكثير الشعر ، ولحياني لعظيم اللّحية . وقيل : الربّاني العالم المربي ، وهو الّذي يبتدئ النّاس بصغار العلم قبل كباره . ووقع هذا التّفسير في « صحيح البخاري » . وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ في سورة آل عمران [ 79 ] . والأحبار جمع حبر ، وهو العالم في الملّة الإسرائيليّة ، وهو - بفتح الحاء وكسرها - ،