الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

114

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لكن اقتصر المتأخّرون على الفتح للتّفرقة بينه وبين اسم المداد الّذي يكتب به . وعطف الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ على النَّبِيُّونَ لأنّهم ورثة علمهم وعليهم تلقّوا الدّين . والاستحفاظ : الاستئمان ، واستحفاظ الكتاب أمانة فهمه حقّ الفهم بما دلّت عليه آياته . استعير الاستحفاظ الّذي هو طلب الحفظ لمعنى الأمر بإجادة الفهم والتّبليغ للأمّة على ما هو عليه . فالباء في قوله بِمَا اسْتُحْفِظُوا للملابسة ، أي حكما ملابسا للحقّ متّصلا به غير مبدّل ولا مغيّر ولا مؤوّل تأويلا لأجل الهوى . ويدخل في الاستحفاظ بالكتاب الأمر بحفظ ألفاظه من التغيير والكتمان . ومن لطائف القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حمّاد ما حكاه عياض في « المدارك » ، عن أبي الحسن بن المنتاب ، قال : كنت عند إسماعيل يوما فسئل : لم جاز التّبديل على أهل التّوراة ولم يجز على أهل القرآن ، فقال : لأنّ اللّه تعالى قال في أهل التّوراة بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ فوكل الحفظ إليهم . وقال في القرآن : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] . فتعهّد اللّه بحفظه فلم يجز التّبديل على أهل القرآن . قال : فذكرت ذلك للمحاملي ، فقال : لا أحسن من هذا الكلام . و مِنْ مبيّنة لإبهام ( ما ) في قوله : بِمَا اسْتُحْفِظُوا . و كِتابِ اللَّهِ هو التّوراة ، فهو من الإظهار في مقام الإضمار ، ليتأتّى التّعريف بالإضافة المفيدة لتشريف التّوراة وتمجيدها بإضافتها إلى اسم اللّه تعالى . وضمير وَكانُوا للنبيين والربانيّين والأحبار ، أي وكان المذكورون شهداء على كتاب اللّه ، أي شهداء على حفظه من التّبديل ، فحرف ( على ) هنا دالّ على معنى التمكّن وليس هو ( على ) الّذي يتعدّى به فعل شهد ، إلى المحقوق كما يتعدّى ذلك الفعل باللام إلى المشهود له ، أي المحقّ ، بل هو هنا مثل الّذي يتعدّى به فعل ( حفظ ورقب ) ونحوهما ، أي وكانوا حفظة على كتاب اللّه وحرّاسا له من سوء الفهم وسوء التّأويل ويحملون أتباعه على حقّ فهمه وحقّ العمل به . ولذلك عقّبه بجملة فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ المتفرّعة بالفاء على قوله : وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ، إذ الحفيظ على الشيء الأمين حقّ الأمانة لا يخشى أحدا في القيام بوجه أمانته ولكنّه يخشى الّذي استأمنه . فيجوز أن يكون الخطاب بقوله : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ ليهود زمان نزول الآية ، والفاء للتفريع عمّا حكي عن فعل سلف الأنبياء والمؤمنين ليكونوا قدوة لخلفهم من الفريقين ، والجملة على هذا الوجه معترضة ؛ ويجوز