الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

107

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واللام في لِقَوْمٍ للتقوية لضعف اسم الفاعل عن العمل في المفعول . وجملة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ صفة ثانية لِقَوْمٍ آخَرِينَ أو حال ، ولك أن تجعلها حالا من الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ . وتقدّم الكلام في تحريف الكلم عند قوله تعالى : مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ في سورة النّساء [ 46 ] ، وأنّ التّحريف الميل إلى حرف ، أي جانب ، أي نقله من موضعه إلى طرف آخر . وقال هنا مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ، وفي سورة النساء [ 46 ] عَنْ مَواضِعِهِ ، لأنّ آية سورة النّساء في وصف اليهود كلّهم وتحريفهم في التّوراة . فهو تغيير كلام التّوراة بكلام آخر عن جهل أو قصد أو خطأ في تأويل معاني التّوراة أو في ألفاظها . فكان إبعادا للكلام عن مواضعه ، أي إزالة للكلام الأصلي سواء عوّض بغيره أو لم يعوّض . وأمّا هاته الآية ففي ذكر طائفة معيّنة أبطلوا العمل بكلام ثابت في التّوراة إذ ألغوا حكم الرّجم الثّابت فيها دون تعويضه بغيره من الكلام ، فهذا أشدّ جرأة من التّحريف الآخر ، فكان قوله : مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أبلغ في تحريف الكلام ، لأنّ لفظ ( بعد ) يقتضي أنّ مواضع الكلم مستقرّة وأنّه أبطل العمل بها مع بقائها قائمة في كتاب التّوراة . والإشارة الّتي في قوله : إِنْ أُوتِيتُمْ هذا إلى الكلم المحرّف . والإيتاء هنا : الإفادة كقوله : وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ [ البقرة : 251 ] . والأخذ : القبول ، أي إن أجبتم بمثل ما تهوون فاقبلوه وإن لم تجابوه فاحذروا قبوله . وإنّما قالوا : فاحذروا ، لأنّه يفتح عليهم الطعن في أحكامهم الّتي مضوا عليها وفي حكّامهم الحاكمين بها . وإرادة اللّه فتنة المفتون قضاؤها له في الأزل ، وعلامة ذلك التّقدير عدم إجداء الموعظة والإرشاد فيه . فذلك معنى قوله : فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ، أي لا تبلغ إلى هديه بما أمرك اللّه به من الدّعوة للنّاس كافّة . وهذا التّركيب يدلّ على كلام العرب على انتفاء الحيلة في تحصيل أمر ما . ومدلول مفرداته أنّك لا تملك ، أي لا تقدر على أقلّ شيء من اللّه ، أي لا تستطيع نيل شيء من تيسير اللّه لإزالة ضلالة هذا المفتون ، لأنّ مادّة الملك تدلّ على تمام القدرة ، قال قيس بن الخطيم : ملكت بها كفّي فأنهر فتقها