الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

108

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أي شددت بالطعنة كفّي ، أي ملكتها بكفّي ، وقال النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم لعيينة بن حصن « أو أملك لك أن نزع اللّه من قلبك الرّحمة » . وفي حديث دعوة الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم عشيرته « فإنّي لا أغني عنكم من اللّه شيئا » . و شَيْئاً منصوب على المفعولية . وتنكير شَيْئاً للتقليل والتّحقير ، لأنّ الاستفهام لمّا كان بمعنى النّفي كان انتفاء ملك شيء قليل مقتضيا انتفاء ملك الشيء الكثير بطريق الأولى . والقول في قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ كالقول في قوله : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ . والمراد بالتطهير التهيئة لقبول الإيمان والهدى أو أراد بالتطهير نفس قبول الإيمان . والخزي تقدّم عند قوله تعالى : إِلَّا خِزْيٌ في سورة البقرة [ 85 ] ، وقوله : رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ في سورة آل عمران [ 192 ] . وأعاد سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ للتّأكيد وليرتّب عليه قوله أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ . ومعنى أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ أخّاذون له ، لأنّ الأكل استعارة لتمام الانتفاع . والسحت - بضمّ السين وسكون الحاء - الشيء المسحوت ، أي المستأصل . يقال : سحته إذا استأصله وأتلفه . سمّي به الحرام لأنّه لا يبارك فيه لصاحبه ، فهو مسحوت وممحوق ، أي مقدّر له ذلك ، كقوله يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا [ البقرة : 276 ] ، قال الفرزدق : وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلّا مسحت أو مجنّف والسحت يشمل جميع المال الحرام ، كالربا والرّشوة وأكل مال اليتيم والمغصوب . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، وأبو جعفر ، وخلف « سحت » - بسكون الحاء - وقرأه الباقون - بضمّ الحاء - اتباعا لضمّ السّين . فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . تفريع على ما تضمّنه قوله تعالى : سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ وقوله : يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ ، فإنّ ذلك دلّ على حوار وقع بينهم في إيفاد نفر منهم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم للتحكيم في شأن من شؤونهم مالت أهواؤهم إلى تغيير حكم التّوراة فيه